علماء يوثقون لأول مرة خلايا مناعية تلتهم خلايا السرطان الحية
دراسات و أبحاث
علماء يوثقون لأول مرة خلايا مناعية تلتهم خلايا السرطان الحية
22 حزيران 2026 , 10:18 ص

تمكن باحثون من معهد غارفان للأبحاث الطبية في أستراليا من تسجيل أول دليل مصور لخلايا مناعية تُعرف باسم "الماكروفاج" وهي تهاجم وتلتهم خلايا سرطان الميلانوما الحية بشكل مباشر. ويُتوقع أن يسهم هذا الاكتشاف في تغيير فهم العلماء لكيفية تعامل الجهاز المناعي مع أحد أكثر أنواع السرطان انتشارا وخطورة.ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Journal of Experimental Medicine، حيث كشفت عن دور مهم لمجموعة من الخلايا المناعية لم تحظَ بالاهتمام الكافي سابقا، وهي خلايا الماكروفاج التي تتجمع حول أطراف أورام الميلانوما وتعمل باستمرار على ابتلاع الخلايا السرطانية والمساعدة في الحد من نمو الورم.

أول توثيق مباشر للهجوم على الخلايا السرطانية الحية

تصوير خلايا مناعية تهاجم وتلتهم خلايا الميلانوما الحية لأول مرة

تصوير خلايا مناعية وهي تهاجم السرطان الحي وتلتهمه ( مصدر الصورة: معهد غارفان للأبحاث الطبية )

قال الدكتور يوكي كيث، الباحث الرئيسي الأول في الدراسة، إن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تصوير خلية ماكروفاج وهي تهاجم وتبتلع خلية سرطانية حية في الوقت الفعلي.
وأوضح أن الباحثين كانوا يعتقدون منذ فترة طويلة أن هذه الخلايا تؤدي دورا أكبر مما كان يُعتقد سابقا، إلا أن الأدلة المباشرة لم تكن متاحة. وأضاف أن دراسة هذه العمليات داخل كائن حي توفر صورة أكثر واقعية لما يحدث داخل الجسم وتكشف عن تعقيد الجهاز المناعي، الأمر الذي قد يساعد في تطوير علاجات مستقبلية أكثر فاعلية.

دور الماكروفاج في أورام الميلانوما


تُعد الماكروفاج من الخلايا المناعية التي قد تمثل ما يصل إلى 30% من إجمالي الخلايا الموجودة داخل أورام الميلانوما. وعلى الرغم من معرفة العلماء منذ سنوات بمشاركتها في بيئة الورم، فإن دورها الدقيق في تعزيز نمو السرطان أو الحد منه ظل غير واضح.واعتمدت دراسات سابقة على إزالة هذه الخلايا بشكل واسع من الجسم ومراقبة تأثير ذلك على الأورام. لكن الدراسة الجديدة أظهرت أن خلايا الماكروفاج الموجودة في الجلد ليست جميعها متشابهة.

اكتشاف مجموعة CD169 المثبطة لنمو الورم


حدد الباحثون مجموعة فرعية متخصصة من الماكروفاج تنتج بروتينًا يُعرف باسم CD169. وعندما قام الفريق بإزالة هذه الخلايا بشكل انتقائي من النماذج الحيوانية، لاحظوا أن أورام الميلانوما أصبحت أكبر حجمًا، ما يشير إلى أن هذه الخلايا تؤدي دورا مهما في السيطرة على نمو الورم.

تصوير مباشر لابتلاع الخلايا السرطانية


لاستكشاف آلية عمل هذه الخلايا، استخدم العلماء تقنية تصوير متقدمة تُعرف باسم المجهر ثنائي الفوتون داخل الكائن الحي، وهي تقنية تسمح بمراقبة النشاط البيولوجي على المستوى الخلوي داخل الكائنات الحية.
ومن خلال هذه التقنية، شاهد الباحثون بشكل مباشر خلايا الماكروفاج الإيجابية لبروتين CD169 وهي تبتلع خلايا الميلانوما الحية لدى الفئران.
وللتأكد من أن النتائج تنطبق أيضًا على البشر، قام باحثون من معهد الميلانوما الأسترالي بفحص عينات بشرية، ليكتشفوا وجود النوع نفسه من الماكروفاج في الجلد السليم وحول حواف أورام الميلانوما البشرية.

آلية غير متوقعة لمحاربة السرطان

قال البروفيسور تري فان، الباحث الرئيسي في الدراسة، إن الماكروفاج كانت تُعرف تقليديا بأنها خلايا مسؤولة عن إزالة الخلايا الميتة والمخلفات من الجسم، إلا أن المشاهدات الجديدة أظهرت أنها تهاجم الخلايا السرطانية الحية مباشرة وتحد من نمو الأورام.
وأشار إلى أن هذه العملية تبدو مستقلة عن الخلايا التائية والخلايا البائية، وهما النوعان الأكثر ارتباطا عادةً بمكافحة السرطان، ما جعل الاكتشاف مفاجئا ومثيرا للاهتمام بالنسبة للباحثين.

آفاق جديدة للعلاج المناعي

قد يحمل هذا الاكتشاف أهمية كبيرة في مجال العلاج المناعي للسرطان. فالعلاجات المناعية الحالية، وخاصة علاجات تثبيط نقاط التفتيش المناعية، تعتمد بشكل أساسي على الخلايا التائية للتعرف على الخلايا السرطانية والقضاء عليها.
ورغم نجاح هذه العلاجات في تحسين نتائج المرضى المصابين بسرطان الميلانوما المتقدم، فإن نحو نصف المرضى فقط يستجيبون لها، ما يبرز الحاجة إلى تطوير استراتيجيات علاجية جديدة.
ومن أبرز التحديات التي تواجه العلاج المناعي ما يُعرف بـ"الأورام الباردة"، وهي أورام تمنع الخلايا التائية من الوصول إلى الخلايا السرطانية ومهاجمتها.

الماكروفاج قد تساعد في استدعاء الخلايا التائية

أوضح الدكتور يوكي كيث أن الماكروفاج لا تقتصر وظيفتها على تنظيف الجسم من الخلايا التالفة، بل تعمل أيضًا كوسيط ينقل المعلومات إلى بقية الجهاز المناعي.
فعندما تبتلع هذه الخلايا تهديدا ما، تقوم بتفكيكه وعرض أجزاء منه على سطحها كإشارة تحذيرية للخلايا المناعية الأخرى. ويعتقد الباحثون أن خلايا CD169 تقوم بالأمر نفسه بعد ابتلاع الخلايا السرطانية، ما قد يساعد في جذب الخلايا التائية إلى الورم وتعزيز الاستجابة المناعية ضده.

إمكانيات علاجية مستقبلية

يسعى الفريق البحثي حاليًا إلى فهم العلاقة الدقيقة بين خلايا CD169 والخلايا التائية، وكيفية التعاون بينهما في مكافحة السرطان.
ويرى البروفيسور تري فان أن هذه الخلايا تمثل قوة مناعية جاهزة يمكن استغلالها علاجيا. وقد تشمل العلاجات المستقبلية تطوير أدوية تستهدف زيادة أعداد هذه الخلايا أو تعزيز قدرتها على التعرف على الخلايا السرطانية وابتلاعها.
وأضاف أن دمج هذه الاستراتيجية مع العلاجات المناعية الحالية قد يزيد من فعالية العلاج لدى شريحة أكبر من المرضى، كما أن الفوائد المحتملة قد لا تقتصر على سرطان الميلانوما فقط، نظرا لوفرة خلايا الماكروفاج في معظم الأورام الصلبة الأخرى.
المصدر: مجلة Journal of Experimental Medicine