م. ميشال كلاغاصي
22/6/2026
"أرض الصومال"، بلدٌ لم يسمع بها الكثيرون حول العالم، فيما يعتبرها البعض بأنها غير موجودة، حتى جواز سفرها غير معترف به دولياً، ولا يسمح لحامليه سوى بالسفر نحو "إسرائيل".
لكنها، وقبيل نهاية العام الماضي، تحولت فجأةً إلى دولة ذات سيادة بإعتراف الكيان الإسرائيلي، وباتت رسمياً تُعرف بـ "صومالي-لاند"، حيث ظهر بنيامين نتنياهو في مكالمة فيديو وهو يهنئ رئيس صومالي لاند عبد الرحمن عبد الله، وسط إدانات سريعة من حكومة الصومال والإتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، ومجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، أجمعت على إتهام "إسرائيل" بإنتهاك مبدأ السلامة الإقليمية.
ومع إعلان الإعتراف الإسرائيلي، غصت شوارع عاصمة الإنفصال -"هرجيسا"- بالحشود والإحتفالات لعدة أيام، استُقبل فيها عشرات الصحفيين والإعلاميين الإسرائيليين بالترحاب والهتاف.
ويجدر بنا العودة إلى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حيث نالت أرض الصومال، التي كانت محمية بريطانية (الصومال البريطاني)، استقلالها عام ١٩٦٠ قبل أن تتحد طوعاً مع الجنوب (الصومال الإيطالي)، لتشكل الصومال المعروف، لكن سرعان ما بدأ هذا الاتحاد بالتفكك، وسط تصاعد التوترات القبلية، حيث شنّ النظام في مقديشو حملة وحشية ضد المنطقة، بلغت ذروتها في تدمير هرجيسا تدميراً شبه كامل عام ١٩٨٨، وغرقت البلاد في مستنقع الحرب الأهلية والفوضى، التي في ظلها أعلنت أرض الصومال استقلالها عام 1991، وعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود، لم يحظ استقلالها سوى بالإعتراف الإسرائيلي.
وسارعت سلطات الكيان للبدء بتدعيم شراكتها الجديدة مع سلطات هرجيسا، وأوفدت عدداً من الخبراء، تحت عناوين تقديم الدعم والتدريب الحديث في مجال الري الحديث وإدارة المياه، ومحطات التحلية، كذلك أعلنت عن استثمارات في البنية التحتية لأرض الصومال، وعن تبادل السفراء.
فيما يعتقد الكثيرون أن الدافع الحقيقي لإسرائيل هو الموقع الاستراتيجي لـ صوماليلاند، وشريطها الساحلي الممتد على طول خليج عدن بنحو 500 ميل، والذي يمر عبره حوالي 12% من التجارة العالمية، في وقتٍ تبحث فيه سلطات الكيان الإسرائيلي عن إنشاء قاعدة متقدمة لها، لمراقبة مضيق باب المندب والتجسس على اليمن عموماً وعلى الحوثيين خصوصاً، وبحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ، فقد حدد الإسرائيليون موقعاً ساحلياً محتملاً لقاعدتهم المنشودة، وسط نفي سلطات صوماليلاند لما ورد في هذا التقرير.
في الوقت الذي كادت فيه إثيوبيا تنجح بإبرام اتفاقاً عام 2024، مع السلطات الإنفصالية لضمان وصولها إلى الشريط الساحلي لخليج عدن، لكنها تراجعت تحت ضغوط حكومة مقديشو.
وكعادتها، لم تكن الأعين الأمريكية بعيدة عن ملف أرض الصومال، وعن سعيها للسيطرة على مواردها المعدنية (النفط، الغاز، الليثيوم والعناصر النادرة)، وتدعيم قواعدها العسكرية، بذريعة مواجهة تمدد النفوذ الصيني المتزايد في جيبوتي، حيث أنشأت بكين قاعدتها البحرية الخارجية الوحيدة على بعد أميال قليلة من معسكر " ليمونير" الذي يعتبر أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في أفريقيا.
ويبرز الإهتمام الأمريكي عبر تركيز عدد من الشخصيات في مجلس الشيوخ الأمريكي على أهميتها الإستراتيجية ودعوة الرئيس دونالد ترامب للإعتراف بها أيضاً، في وقتٍ تقدّم فيه عدد من أعضاء مجلس النواب الأمريكي في مارس/آذار الماضي، مسودة تشريع تُلزم وزارة الخزانة بتحديد وتذليل العقبات والعوائق القانونية التي تحول دون وصول أرض الصومال إلى النظام المالي الأمريكي، ودمجها في نظام سويفت، الأمر الذي يقيمه البعض على أنه أكثر أهمية من الإعتراف الدبلوماسي بها.
في الحقيقة، لا يمكن للإعتراف الإسرائيلي، وأيّ إعتراف اّخر، تحويل "أرض الصومال" إلى ملاذ اّمن للسلام والإستقرار، خصوصاً ما قد تفعله الأيادي الإسرائيلية لمنع وحدة الأراضي الصومالية، للحفاظ على مشاريع ومصالح تل أبيب مع سلطات الجزء الإنفصالي، كذلك في ظل الفقر والفساد المشتري، وبوجود عدد كبير من رافضي الإنفصال، و"حركة الشباب" التي تعهدت بمحاربة الوجود الإسرائيلي على "أرض الصومال".
من الواضح أن موقع أرض الصومال، وثرواتها، والقواعد العسكرية فيها ومن حولها، وإمكانية تأثيرها المباشر على الصراعات العسكرية والسياسية والتجارية في المنطقة، ناهيك عن اهتمام وسباق الدول والشركات للحصول على موطىء قدم فيها، بالإضافة إلى الصراع الداخلي ومع حكومة مقديشو، أمورٌ من شأنها زيادة التوترات، ورفع منسوب القلق الذي يسبق تضارب المصالح واندلاع المزيد من الحروب التي سئم منها العالم.
م. ميشال كلاغاصي
22/6/2026