عبد الحميد كناكري خوجة: حين زار فقيد الأمة الإسلامية رئيس الجمهورية السيد علي خامنئي الجزائر سنة 1982 وخط توقيعه في السجل الذهبي لمتحف الشهيد.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: حين زار فقيد الأمة الإسلامية رئيس الجمهورية السيد علي خامنئي الجزائر سنة 1982 وخط توقيعه في السجل الذهبي لمتحف الشهيد.

”بين بلد المليون ونصف المليون شهيد والجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا يجمع التاريخ وقائع عابرة، بل إرثا من الصمود وميثاقا من الاستقلال، وضميرا لا يساوم على الكرامة."

ليس المسار الكفاحي في بعض لحظاته المضيئة سجلا للتوهجات فحسب، بل مرآة تتجاوز فيها الأرواح قبل الأسماء، وتتعانق فيها الذاكرة مع المصير. ومن هذا الأفق تبدو زيارة الشهيد السيد علي خامنئي إلى الجمهورية الجزائرية سنة 1982، وتوقيعه في السجل الذهبي لمتحف الشهيد في عاصمتها، لحظة تتجاوز المجاملة الرسمية إلى مضمون أعمق، قوامه الاعتراف المتبادل بين تجربتين عرفتا أن الحرية لا تهدى، وأن الكرامة لا تستعار، وأن الشعب الذي يذوق طعم القهر يصير أقدر على صوغ خلاصه بيده.

فالجزائر التي كتبت استقلاها بمداد الخالدين في الفاتح من نوفمبر المجيد سنة 1954، وإيران التي دشنت عهدها الثوري سنة 1979، تلتقيان في جذر واحد: مقاومة الهيمنة، وصون القرار، وحراسة الهوية من التبديد.

في هذا المشهد، لا يغدو التدوين حبرا على ورق، بل يصبح أثرا معنويا يلم شتات الرموز، ويمنح الزيارة وزنها الحضاري. فمعلم الشهيد الوطني في أرض الأحرار ليس فضاء للعرض وحده، بل وعاء في وجدان جماعي صاغته تضحيات جسام، وارتقت فيها دماء الأبرار إلى مقام المعنى، حتى بدا المكان نفسه كأنه ينصت إلى صدى الثورة وهي تعود في هيئة شهادة أخرى على استمرار الرسالة. ومن هنا، فإن قراءة تلك الزيارة لا تنفصل عن قراءة المسار التاريخي الذي جمع بين مسيرة كفاحية أخرجت المستعمر من الأرض، وأخرى أعادت للأمة مغزى السيادة، وكلتاهما جعلت من المقاومة سلوكا حضاريا لا نزوة ظرفية.

ليس المقصود إذن تمجيد حدث بعينه، بل أن الأمم العظيمة لا تقاس بما تملك، بل بما تحتمل وتبني وتورث. وعلى هذا الأساس، يجيء إمضاء السيد خامنئي في سجل الصرح الجزائري بوصفه علاقة وفاء بين شعبين عظيمين وصورة لا تزال تومض في ضمير من يقرأ المسار النضالي بوصفه سلسلة من المواقف لا مجرد تواريخ. ومن هذا الباب أيضا، يتبدى حضور المقاومة الإيرانية اليوم في وجه الحصار والتكالب والبغي والعدوان امتدادا لذلك المنطق نفسه: منطق الصمود الذي لا ينهار تحت الضغط، بل يحول الشدة إلى طاقة والمحنة إلى منحة واختبار للتلاحم والتماسك، والتهديد إلى برهان على رسوخ الإرادة. بهذه العين، يصبح النص المقبل محاولة لالتقاط الخيط الرفيع الذي يصل بين الفاتح من نوفمبر 1954، وثورة 1979، وزيارة 1982، وبين إرث الجزائر وصمود إيران بجيشها وشعبها. وهو خيط لا ينسجه الزمن وحده، بل تنسجه القيم حين تلتقي: الشهادة، الاستقلال، الكرامة، والقدرة على البقاء واقفا في وجه العاصفة.

الملحمة الكفاحية الجزائرية في الفاتح من نوفمبر 1954 لم تكن مجرد انفجار سياسي، بل كانت ميلادا جديدا للأمة رفضت أن يبقى ترابها رهينة للغاصب. لقد امتدت مسيرة التحرير في القارة الجزائرية عبر سنوات من النار، ودفعت أبناء هذا البلد إلى تقديم تضحيات جبارة جعلت الاستقلال ثمرة أخلاقية بقدر ما هو ثمرة سياسية، وخلدت اسم بلد الجميلات الثلاث جميلة بوباشا وجميلة بوعزة وجميلة بوحيرد، في سجل الشعوب التي لا تنحني إلا لله الواحد. أما الثورة الإيرانية 1979، فقد جاءت بوصفها انكسارا للهيمنة الحاكمة القديمة، وافتتاحا لمرحلة جديدة استردت فيها بلاد سلمان الفارسي وشعبها العريق تعريفها لذاتها، وأعادت ترتيب علاقة الدولة بالمجتمع، والسيادة بالقرار، والهوية بالمصير. والتشابه بين التجربتين ليس تشابها شكليا، بل هو في أعمقه، وحدة مزاج تحرري. كلا الشعبين العظيمين بالإضافة إلى شعب الجبارين الفلسطيني عرف أن الاستقلال لا يهدى، وأن الكرامة لا تستعار، وأن التحرر لا يهبط من السماء بل ينتزع بالمعاناة والبصيرة. ومن هنا، يكتسب توقيع المرشد الأعلى للأمة الإسلامية في السجل الذهبي للمتحف معنى يتجاوز المجاملة الدبلوماسية؛ فهو حضور واع في حضرة الإرث، وإقرار بأن للخالدين سلطة رمزية تعلو على الحدود، وتربط بين الضميرين الجزائري والإيراني بخيط من الوفاء والمشترك التاريخي. وفي الحاضر، تتجلى هذه القراءة أكثر مما تتجلى في الماضي، لأن البلد الذي يقتدي بالقرآن الكريم وبهدي آل بيت رسول الله، وهو يواجه الحصار والتكالب والعدوان، لم يظهر ككيان منكسر، بل كدولة خبرت معنى الصمود وطوعت الضغوط ضمن ما يسمى « اقتصاد المقاومة»، واستمرت، رغم العقوبات المتراكمة في إعادة إنتاج قدراتها على الثبات والمناورة والبقاء. إن هذه الصلابة لا تفهم خارج سياقها التاريخي؛ فالأمة التي عرفت كيف تصمد أمام الحصار تعرف كيف تحول القسر إلى منعة، والتهديد إلى وعي، والابتلاء إلى طاقة بنائية. ومن هذا المنظور، لا يكون الدفاع عن الأرض عنوانا، بل فعل حماية وسيادة، ولا يكون التمسك بالقرار الوطني خروجا عن النظام الدولي، بل إعلانا عن حق أصيل في أن تحيا الأمم وفق إرادتها لا وفق إملاءات العدو الطامع.

وتغدو اللغة هنا، أداة في تفسير هذا التواشج بين التاريخ والسيادة؛ فثمة ما يشبه النسق، بين سرديتين وطنيتين، وما يقترب من نموذج مقاوم يعيد ترتيب العلاقة بين الذاكرة والفعل، وبين مناعة الصمود بوصفها قيمة للدولة، وفاعلية الفعل، بوصفها تصرفا إيجابيا للأمة. وهذا ما يجعل التوقيع في سجل المتحف، بل كل أثر من هذا النوع، أقرب إلى نص مؤسس لوعي جمعي، لا إلى إشارة عابرة في دفتر الزيارات.

في النهاية، لا يبدو هذا المشهد من 1982 مجرد ذكرى محفوظة في متحف، بل صفحة من فلسفة تاريخية تقول إن الشعوب التي قدمت قوافل الشهداء لا تهزم بسهولة أو من المستحيل أن تهزم، وإن الأمم التي تعرف نفسها لا تسمح للغبار أن يمحو ملامحها. ومن أرض العربي بن مهيدي و أحمد زبانة وفاطمة نسومر وحسيبة بن بوعلي ومجموعة ال 22 والعربي التبسي ونوار بوعمامة ومفدي زكريا وغيرهم من أبرار...التي نقشت هذه الأرض المباركة استقلالها بمداد دم الملايين، إلى إيران التي تعاند الحصار وتقاوم العدوان وتنهض من تحت الركام، وتعيد الكرامة للأمتين العربية والإسلامية، تتشكل رواية واحدة مفادها أن التاريخ لا يصنع بالصدفة، بل بالثبات، وأن الخلود لا يمنحه الزمن، بل تمنحه المواقف التي تظل، مهما تبدلت العصور، مشتعلة في ضمير الأمة.

ومع الشهيد السيد علي خامنئي الذي رحل بجسده وبقي بمناقبه وبروحه الطاهرة، لا تقفل الصفحات كما تقفل الأخبار، بل تفتح الذاكرة على معناها الأعمق؛ فهناك حيث يلتقي الحبر بوميض الشهادة، وحيث يتجاوز التوقيع مع صدى التاريخ، ندرك أن الأمم العظيمة لا تعيش بما تملكه من أدوات، بل بما تتركه من آثار في ضمير الزمن. لقد بدأنا به لأنه كان علامة عبور إلى المعنى، ونختم به لأنه صار جزءا من الخلود: رجل حمل في حضوره وجدان أمة، وفي موقفه مناعة فكرة، وفي توقيعه شهادة انتماء بين الجزائر وبلاد الحضارة الإنسانية الفارسية، بين الفاتح من نوفمبر وذاكرة الثورة الإسلامية، بين دماء صاغت الاستقلال وملحمة ما تزال تصون الكرامة. وهكذا يبقى التاريخ، في صفحاته العالية، لا يذكر الأسماء بوصفها حروفا، بل بوصفها إشارات على أن الروح إذا سمت، صارت أكثر بقاء من الحجر، وأشد نفاذا من الزمن. فليشهد الزمان ولتشهد الأجيال أنه مر هنا، فأنطق الحجر، وترك في نفوس الشعبين الجزائري والإيراني قسم الوفاء، ووشم الخلود في ضمائر الشرفاء الأحرار إلى يوم يرث الله الأرض ومن عليها. وهكذا يبقى توقيع عام 1982 شاهدا على أن العهود الصادقة لا يطويها الزمن، وأن ذاكرة الشهداء تظل منارة للأجيال وميزانا للوفاء.

كاتب سوري حر.