الذاكرة ليست أمينة كما نعتقد
مقالات
الذاكرة ليست أمينة كما نعتقد
عباس المعلم
5 آب 2026 , 17:55 م

..يتعامل معظم الناس مع ذاكرتهم كما لو كانت أرشيفًا محايدًا يحفظ الوقائع كما حدثت، بينما تؤكد علوم الأعصاب المعرفية أن الذاكرة ليست جهازًا للتخزين، بل منظومة لإعادة البناء. ففي كل مرة تستدعي فيها ذكرى، لا يسترجع الدماغ نسخةً محفوظة منها، بل يعيد تركيبها من شظايا الخبرة، ممزوجةً بمشاعرك الحالية، وقناعاتك الجديدة، وتحيزاتك الإدراكية. ولهذا قد تتغير الذكرى ببطء، بينما يبقى الإنسان مقتنعًا بأنها لم تتبدل قط.

والأكثر إثارة أن الدماغ لا يسعى دائمًا إلى الدقة، بل إلى الاتساق النفسي. فهو يعيد ترتيب الماضي بطريقة تحافظ على صورة الإنسان عن نفسه، وتخفف من وطأة التناقضات الداخلية. لذلك قد يُضخّم بعض التفاصيل، ويُهمل أخرى، ويمنح أحداثًا عابرة قيمةً لم تكن لها، أو يخفف وقع مواقف مؤلمة حتى تصبح أكثر احتمالًا. إننا لا نتذكر الماضي كما كان، بل كما أصبح العقل قادرًا على التعايش معه.

وهنا تنشأ واحدة من أكثر الظواهر النفسية تعقيدًا، وهي التشويه الاستذكاري؛ حيث لا تكمن المشكلة في الكذب، بل في اقتناع الإنسان بذكريات أعاد دماغه صياغتها دون وعيه. ولهذا تبدأ كثير من الخلافات الإنسانية حين يتمسك كل طرف برواية يراها حقيقةً مطلقة، بينما يكون كلاهما قد استند إلى ذاكرة أعادت تشكيل الحدث بما ينسجم مع تجربته وانفعاله، لا مع تفاصيله الأصلية.

ولهذا فإن النضج المعرفي لا يعني الثقة المطلقة بما نتذكره، بل الاحتفاظ بمساحة من الشك العلمي تجاه ذاكرتنا نفسها. فالعقل المتمرّس لا يسأل فقط: “ماذا حدث؟”، بل يسأل أيضًا: “كيف أعاد دماغي بناء ما حدث؟”. وبين السؤالين مسافةٌ هائلة، لأنها تفصل بين من يعيش أسيرًا لروايات عقله، ومن يدرك أن الحقيقة أوسع بكثير مما تختزنه الذاكرة.

" عباس المعلم " إعلامي لبناني