✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي
معلوم انّ الإمام الحسين عليه السلام كان مشروعّا إلهيًا عظيمًا منذ ولادته، ولذلك لم يكن استشهاده نهاية دوره، إنما بداية حضوره الخالد في ضمير الإنسانية.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «إنّ لقتل ولدي الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد الى يوم القيامة» فالحديث لايعبر عن عاطفةٍ عابرة أو حزنٍ مؤقت ينتهي بانتهاء موسم أو ذكرى.
لكن عن شعلة إيمانية متقدة أودعها الله في وجدان الأمة لتبقى ما بقي الصراع بين الحق والباطل، والعدل والظلم.
لهذا قال النبي صلى الله عليه وآله «حسين مني وأنا من حسين»
وقال أيضًا«إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة».
وهي نصوص تكشف المكانة الاستثنائية لهذا الإمام الذي أراد الله أن تكون ثورته منارة للأجيال إلى قيام الساعة.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعلم بما سيجري على سبطه الحسين، كما كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والإمام الحسين عليهما السلام على علم بما ينتظرهم من مصير، ومع ذلك لم يتراجع الحسين ولم يساوم ولم يبدل موقفه، لأنه كان يدرك أن الرسالة التي يحملها أعظم من حسابات الربح والخسارة الدنيوية.
فما سر هذه الحرارة التي لا تبرد؟
لاشك ان الأسرار كثيرة منها التالي:
1ـ إن أول أسرارها يكمن في الهدف الذي خرج من أجله الإمام الحسين عليه السلام حين أعلن بوضوح«إني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي».
فالحسين لم يخرج طالبًا لملك أو سلطة، وإنما خرج دفاعًا عن القيم والمبادئ والكرامة الإنسانية، ولذلك بقيت ثورته حية في ضمير كل حر.
2ـ السر الثاني أن كربلاء لم تكن معركة عسكرية انتهت بانتهاء يوم عاشوراء، لكنها كانت ولادةً دائمة لروح المقاومة والرفض في مواجهة الطغيان.
فمنذ ذلك اليوم أصبحت كربلاء مدرسة لكل الثائرين والأحرار، يستلهمون منها معنى الصمود والثبات والتضحية.
3ـ أما السر الثالث فهو أن الحسين منح الأمة ثقةً لا تنكسر.
ففي كربلاء وقف العدد القليل في مواجهة جيش جرار، ووقف الحق في مواجهة قوة السلاح والمال والنفوذ، لتثبت الأيام أن الدم الزاكي قد انتصر على السيف، وأن صوت المظلوم بقي حيًا بينما اندثر ذكر الظالمين.
وفي زمننا الحاضر تتجلى هذه الحقيقة أكثر من أي وقت مضى. فما نشهده في فلسطين ولبنان من صمود أسطوري أمام آلة القتل والإبادة، وما شهدته شعوب المقاومة من ثبات في مواجهة مشاريع الهيمنة والاستكبار، يؤكد أن روح كربلاء
ما زالت حاضرة، وأن شعار الحسين الخالد «هيهات منا الذلة» لم يعد مجرد كلمات تردد، فقد صار موقفًا عمليًا تتجسد معانيه في ميادين المواجهة والتضحية.
5ـ كما أن حرارة الحسين لا تبرد بسبب بشاعة الجريمة التي ارتكبت بحقه وبحق أهل بيته وأصحابه.
فالمظلومية الكبرى التي وقعت في كربلاء لم تكن استهدافًا لأشخاص فحسب، إنما محاولة لاغتيال الحق نفسه، ولذلك بقيت ذكراها جرحًا مفتوحًا بوجدان المؤمنين، ودافعًا دائمًا للانتصار للمستضعفين ومواجهة الظالمين.
لقد أثبت التاريخ أن الإمام الحسين عليه السلام لم يكن ملكًا لجيل أو مذهب أو قومية،فقد أصبح رمزًا عالميًا للحرية والكرامة والعدالة.
ولهذا نجد أن أحرار الجهاد والمقاومة في مختلف بقاع الأرض يستلهمون من ثورته معاني الصمود والتضحية والفداء.
وإذا كانت حرارة الحسين لا تبرد، فلأن أسبابها لا تزال قائمة؛ فما دام هناك ظالم ومستكبر، وما دام هناك مستضعفون يطالبون بحقوقهم، فإن كربلاء ستبقى حاضرة، وسيبقى الحسين نبراسًا للأمة ومنارًا للأحرار.
وفي زمن تتكالب فيه قوى الطغيان على شعوب الأمة، تبقى رسالة الحسين أكثر حضورًا من أي وقت مضى: أن الحق لا يُقاس بكثرة أتباعه، وأن الموقف الصادق قد يصنع أمة، وأن التضحية في سبيل الله هي الطريق إلى النصر الحقيقي.
فسلامٌ الله على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، يوم استشهدوا ويوم أحيا الله بهم روح العزة في الأمة، ويوم يبقى نداؤهم مدويًا في وجه الظالمين: هيهات منا الذلة، لبيك لبيك ياحسين.