محلّقة... قصة قصيرة
ثقافة
محلّقة... قصة قصيرة
د. علي حجازي
24 حزيران 2026 , 22:40 م

قصة قصيرة

عينا صديقي مشدودتان إلى شاشة التلفاز يرصد. يقرأ. يبحث عن بارقة أمل عن رجاء، وعن خبر عاجل ، ينقل إليه وقفًا شاملًا لإطلاق النار مع هذا الوحش الضاري الفالت من عقال القوانين الدوليّة، والذي دفع به التوحّش الهمجي إلى قتل البشر، وتدمير الحجر وسرقة الشجر.

كانت خريطة القلق مرتسمةً على صفحة وجهه، فعاجلته بعدما قرأت حاله وأفكاره:

-- ما يخيفك يا صديقي بعد؟ فالمواجهة مستمّرة، وأبطال الميدان يسدّدون الضربات.

صحيح أنّهم يقاتلون جيشًا يزيد على سبعين ألفًا مزوّدًا بالتكنولوجيا وبالطائرات والمدفعيّة والمسيّرات، وبجميع ما زوّده الغرب به من قوّات؛ غير أنّ الطريقة المعتمدة من قبلهم الآن مختلفة ، فهم يعتمدون حرب العصابات التي كبّدت جحافل هذا الجيش الكثير من الخسائر.

نظر إليَّ وقال:

-- انظر؛

خريطة الأطماع والشهوات التي

رفعتها يدا ذلك النتن - نمرود العصر واسعة ومضرّجة بالدماء.

رسمت خطوطها أحلام السيطرة والتفوّق والاحتلال والإبادة، وماذا بعد؟ وكيف لهؤلاء الأبطال الميامين الذائدين عن حياض وطن ثلث أبنائه ناكرو الجميل، معاضدون لهذا الذئب الدمويّ عليهم، ومساعدون له في غرز خناجر الغدر والخيانة في ظهورهم.؟ ثمَّ ألا ترى أنّ هذا العدو يستخدم الذكاء الاصطناعي في المعركة غير المتكافئة أبدًا؟

أشحت النظر عن ضلّ القهر المرتسم على حدقتيه فأبصرت ، ويا لبهاء الخبر العاجل الذي بعينين دامعتين قرأت:

" ألخبر ما ترون لا ما تسمعون، بفضل الله العليّ الجبّار العظيم، أدخلت المقاومة المحلّقات الانقضاضيّة المسيّرة بخيوط مصنوعة بذكاء كبير لا يوصف إلى سوح الجهاد والمعركة.

فجأة. اتسعت حدقاتنا، وزالت غيوم الهموم، بعدما رأينا المحلّقة تصل إلى الهدف بدقّة متناهيّة.

-- إقرأ الخبر العاجل الثاني:

قيادات العدو تقف عاجزة عن التصدّي لهذه المحلّقات التي لا ترصدها الرادارات فتصيب الجنود والمدرّعات، وتعبر إلى المهاجع والبيوت والمخابىء متجاوزة تلك الشباك التي صادروها من صيادي الأسماك لتكون سياجًا يمنع وصولها، عبثًا، إليهم"

إنّه الذكاء البشري الذي يقهر ذكاءهم الاصطناعي. شكرًا لك يا ربّي.

شرعت الكلمات تنطلق من فمي عفوًا ، وهو يصغي بانتباه شديد، ودموع الفرح ترسم على خدّيه خريطة الانتصار الدامي القادم قريبًا بإذن الله، ويسجّل :

-- طارت

من خارج التوقّعات والأمنيات

وصلت

حلّقت.

على مهلٍ في أرجاء عاملة الجميلة رقصت.

ارتفعت. انخفضت. صالت وجالت. جلّت وتجلّت، أصابت واحتفلت، وبخيوط النور التي، بحبّ، صاغها الأبناء بذكائهم الخارق

انقضّت

مثل صقر انقضّت

مثل لبوة لمساعدة أشبالها عدت.

مثل الثكالى من النساء اللواتي يحفزهنّ ألف ثأر وثأر هجمت.

مزّقت أحشاء الخريطة وأحالتها نارًا. دخانًا وأشلاء.

-- ما الذي تطلبه يا صديقي بعد؟(قلت)

-- نعم. هل هذه المحلّقة الصغيرة قادرة على الانتصار على هذا النمرود النتن المتعجرف الممتلك هذه القوات الهائلة؟

ابتسمت

-- فسّر لي معنى هذه الابتسامة الرسالة الموجزة.

-- ألم تقرأ سيرة النمرود؟

-- بلى، وأعتقد أنّك تشير إلى نهايته مرذولًا مضروبًا بالأحذية

-- أحسنت، فهذا المتجبّر أردته ناموسه صغيرة. محلّقة انقضاضيّة عبرت أنفه إلى دماغه المسكون بأوهام التفوّق والخرافات القديمة والعجرفة.

-- لعلّك تبشِّر بنهاية النتن- نمرود العصر؟

-- نعم ، وهكذا تكون نهاية الظالم المتسلّط المستبدّ قاتل النفوس التي حرّم الله قتلها إلّا بالحقّ.

هيّا نردّد معًا:

سلامًا إلى الأبناء أباة الضيم. الأوفياء. فوارس الميادين. وإلى ذكائهم البنّاء سلاما...

د.علي حجازي