إضراب البنوك و تساقط أوهام النيوليبرالية
مقالات
إضراب البنوك و تساقط أوهام النيوليبرالية
منذر جغام / تونس
26 حزيران 2026 , 19:19 م

منذر جغام / تونس

نعم النضال النقابي هو صراع طبقي ونعم الإضراب هو واحد من أهم وسائل التي بحوزة الطبقات التي لا تملك سوى قوة عملها وتجبر على بيعها للطبقة أو الطبقات التي تملك وسائل الإنتاج ( المصانع الأراضي الأموال ) سواء كانت أفراد أو تجمع لمالكين او دولة. النضال النقابي هو صراع سياسي طبقي تحت ستار "التفاوض " ولكن هذا التعريف لا يمكن أن يكون إلا تحت "الشرط النهائي" وشرطه النهائي أو شرطه العام هو الإنتصار لمصالح قوة العمل بمحتلف أشكالها وهو الإنتصار للأجير في مقابل مالك العمل سواء أكان أفراد مرابين أو تجمع لمالكين مرابين أو دولة مرابية. لا تعالج مختلف هذه التعاريف النظرية التي إستدعيناها من بناءها النظري المرجعي المتين والعميق مجرد مسألة الموقف النقابي و السياسي الصحيح لإضراب عمال وأجراء قطاعات البنوك والمؤسسات المالية وشركات التأجير المالي والتأمين ولم نستعين بها وفقط لتحديد قيمة العمل وأهميته ووزن طبقات الكادحين بمختلف أصنافهم بالنسبة لمجتمعنا وبالنسبة لإقتصادنا وبالنسبة للدولة المدنية الديمقراطية الإجتماعية وللتحليل السياسي الراهن. بل و أيضا بالنسبة للنقابات العمالية ولليسار ولأزمتهما بزمن تساقط أوهام النيوليبرالية.

فتلك التعريفات لا غنى عنها لأي نضال عمالي وطني شعبي يبحث عن خريطة طريق لإنتصار ولو مرحلي للكادحين وللمهمشين وللديمقراطية بل لدولة عجزت انظمتها السياسية على تلبية المطالب الإجتماعية الشعبية غير المشبعة والمتراكمة لعقود وفقدت قدرتها على تمثيل مواطنيها.

إن سر قوة الإتحاد العام للعمال التونسين والتي كانت صدا منيعا وراء كل محاولات صرفه عن ماهيته وتشويه نضالاته وتفكيك وحدته يكمن في تبني قسم هائل قاعدي وقيادي من مناضلاته ومناضليه لتلك التعريفات ويكمن في إنحيازه التاريخي إلى الجماهير الشعبية والتعبير الصادق والواضح خاصة في اللحظات المفصلية السياسية الفارقة عن طموحات الشعب. فلم يعرف الإتحاد العام التونسي للشغل بأي زمن سابق أزمة علائق ديمقراطية مع قاعدته وبيئته مثل ما بات يشهد راهنا.

وفي تقديرنا يعود بعض الهام من أسباب ذلك إلى تخلف قيادته عن قيادة الموجة الثانية من حراك 17 ديسمبر/14 جانفي 2011 أي تخلفه عن القيادة والتأثير بمسار 25 جويلية. فقد كان إتحاد العمال يحشد خبراءه وكفاءته للقضايا المجتمعية والشعبية والوطنية الكبرى إلا أن قياداته إستبدلت تلك المهام المركزية بأخرى ارتبطت بمجرورة بعض الأحزاب والشخصيات السياسية والنقابية ذات المصالح الشخصية والفئوية الضيقة والتي حكمت عليهآ بعدم إستطاعتها أن تنفصم عن برامجها الإقتصادية والإحتماعية النيوليبرالية ومشتقاتها بإسم النضال من أجل حماية الديمقراطية تارة وبإسم الحوار الوطني تارات أخرى فلم يكن بإمكانها التخلص والقطع مع الموقف البروقراطي والتكنوقراطي المحايد.

إن الرد المناسب في تقديرنا على جميع ذلك ليس بالدفاع عن الوضع القائم لا بالبلاد ولا بالاتحاد ولا طبعا بالدفاع عن النظام القائم ولا عن القيادة النقابية القائمة وليس أيضا بالعودة إلى برامج اليسار التقليدي والنقابات التقليدية ففي واقع أزمة مركبة وغير تقليدية لا نحتاج لأي من الوسائل والأدوات والوسائط التقليدية بل نحتاج إلى بناء مشروع سياسي ثوري قادر على إعادة تسيس المجتمع وإحياء الفعل الشعبي العمالي الديمقراطي. فالنضال النقابي بما أنه نضال طبقي سياسي فيمكن أيضا تعريفه بإحدى خواصه بوصفه نضال ديمقراطي فلا معنى لسياسة ديمقراطية بدون بناء فاعل جمعي جديد بإسم " الشعب " تنظم فعالياته الحركة العمالية النقابية بتوجيه سياسي يساري ثوري تقدمي دون الخوف من الإتهام بالشعبوية ودون الخوف القديم الجديد من الإتهام بالإستثمار في الغضب الإجتماعي الشعبي على أن يكون ذلك لصياغة مشروع لا يعتمد الرجوع والعودة إلى تسخين بائت شعارات الماضي القديمة بل عبر تشكيل قاعدة وطلائع "شعب ديمقراطي " يعيد توجيه الصراع السياسي نحو قيم المساواة والعدالة والتقدم ويضيف خارطة نظرية تساعد الطبقة العاملة الوطنية وقيادات نضالنا بمختلف المستويات ومختلف الساحات على تخيل مستقبل مختلف وجديد تماما يكون فيه الصراع السياسي أداة لأحياء الديمقراطية لا لتهديدها أو لاعتبارها زائد كارثي يجب التخلص منه كما يريد اليمين المحافظ الدستوري التجمعي واليمين الإخواني المحافظ هو الآخر و يريد اليمين الأمريكي والاوروبي الشعبوي الصاعد دفعنا إليه وبدون نموذج مسقط ومملي من المركزية الغربية وايديولوجياتها.

فلا بديل للإتحاد العام التونسي للعمال عن إعادة بناء مستودع ومخزن الطاقات الثورية وتشكيل طلائع شعب قادر على تشكيل إرادة جماعية مناضلة وثورية لا تعطى إليها الديمقراطية بشكل جاهز.

إن الحيثيات الأهم لهذا الإضراب (إضراب قطاعات البنوك والمؤسسات المالية وشركات التأجير المالي والتأمين ) أنه أتى في قلب النقاش العام حول أزمة النقابات وحول الديمقراطية ديمقراطية ما بعد سقوط ديمقراطية الألتفاف الليبرالي الرجعي اليميني على إنتفاضة شعبنا وأنه أتى من قطاعات ظنتها أغلبية المقاربات والتصورات القديمة أنها في غنى من بحبوحة العيش عن الحراك الاحتجاجي والإضرابات وفي تقديرنا أن ذاك الوعي الزائف والقراءات الزائفة للواقع ولأزمات مجتمعنا هو الذي كان وسيكون وراء حملات الشيطنة للحراك فالقراءات والتفسيرات تلك للواقع الإجتماعي والإقتصادي إستبعدت حقيقة أننا بزمن تساقط أوهام الليبرالية والنيوليبرالية وأن الأزمة البنيوية للديمقراطيات الليبرالية باتت شاملة وعالمية وقد أدى إنهيار الهيمنة النيوليبرالية بعد أزمة 2008 وازمة كوفيد والإنكماش الإقتصادي الحاد وارتفاع الفوارق الطبقية إلى تصاعد منتظر لنضال الطبقة العاملة وحلفاءها وأن التخلف الذي تعيشه الحركة النقابية الوطنية ناتج عن أسباب ذاتية وليس نتيجة لطبيعتها بل لخيانة سياسات قياداتها لماهيتها وكما ذكرنا سابقا فإن سر قوة الإتحاد العام للعمال التونسين أنه كان يستبق ويستشرف الهزات الإجتماعية الشعبية القادمة و يعبر عن تمثيليته الصادقة لقاعدته الشعبية فقد توفق في الماضي القريب في تقديم الإجابة السياسية للقضايا المجتمعية الحارقة والأكثر راهنية وهما قضية التشغيل وقضية إنصاف الجهات المفقرة والمعدمة وحشدت قياداته الوسطى لإنتفاضة الحوض المنجمي وانتفاضة بن قردان وتكفلت ساحاته بتوفير الشعارات السياسية والجماهيرية للصدامات والمواجهات والمظاهرات والتحمعات الحاشدة وللجماهير التي كانت تنادي " بالشغل والحرية والكرامة الوطنية " فلم يكن ذاك الإتحاد العام وتلك الوحدة العمالية تحتاج إلى من يملي عليهآ شعاراته الحزبية والسياسية التكتيكية كما يحصل راهنا. لقد تصدى الإتحاد العمالي للهجوم الليبرالي الأشرس الذي عرفته بلادنا منذ ثمانيات القرن المنصرف وتصدى لمحاولات إحياءه التي عرفتها عشرية الألتفاف المؤسساتي على إنتفاضة شعبنا بما يعني رفضه بل وثورته على ريعية ما يسمى بمناويل التنمية والتوجهات القائمة على الانفتاح على إقتصاد السوق وخصخصة المؤسسات العمومية وتراجع التدخل المباشر الإقتصادي للدولة من حيث إلزامها والتزامها بتوفير الشغل والحياة الكريمة لمواطناتها ولمواطنيها وكان الإتحاد العمالي يتصدى للفساد وللمفسدين وتوفر نقاباته بيانات التشهير والفضح لجرائمهم فلم تكن توفر لهم الدفوعات كما بات يحصل راهنا بل كادت النقابات التي تزخر بالكفاءات المختصة في الإقتصاد والمالية أن تفرض على النظام أن يكتب على المال العام ما يكتب على الدواء لا يترك في متناول المسؤولين الحكومين الفاسدين لا كما يحصل راهنا بعد أن أصبح يصدر عن النقابين ما يؤكد شبهة الفساد المالي والإداري لبعض كبار مسؤولي المنظمة .

لقد كشفت لنا قراءتنا لإضراب قطاعات البنوك والمؤسسات المالية وشركات التأجير المالي والتأمين أن المشكلات ليست فقط في ضعف الناتج المحلي الإجمالي وإنما وأيضا في مكوناته جميعها فقد أصبح يحتاج إلى تحول بنيوي سريع وعميق وشامل فلا يمكن مغالبة الأزمات دون مراجعة جذرية لكل القطاعات و من أهمها قطاع المصارف وقطاعات المؤسسات المالية وشركات التأجير المالي والتأمين والبنك المركزي المراجعة الجذرية والفورية لضعف الناتج الإجمالي لتلك القطاعات دون حاجة إلى الخطاب المهستر والمهوس من التوظيف الحزبي السياسيوي فلسنا ممن بات قراءته للحراك تطرح عليه المراجعات النظرية لتعريف قيمة العمل بوصفه بضاعة وقيمة الأجر واللاتكافئ بينهما وبين نضرائهما في القطاعات الأخرى بالعودة إلى معيار زمن العمل المصروف ومقياس الكلفة الطبيعية وبالتالي مقياس القيمة المطلقة للأشياء الإقتصادية والإحتماعية كما لو أننا نقف بمشروع تحرير الطبقة العاملة عند بهو ثورتها الشيوعية .فما ابعدنا حتى بمقياس التخيل الإيديولوجي السياسي عن ذلك . ونحن نرفض إضرابات نقابية لأن تقديرات فاعليها لإنجاحها قدرت أن تتزامن مع رزنامة صرف الشهريات كما قدرت غيرها أن تتزامن مع مواعيد امتحانات التلاميذ . فما أبعدنا عن راهنية نقاش تلك القضايا النظرية الكبرى حول قيمة العمل الجسدي بمقابل العمل الذهني بوصفهما طرفي تناقض وحول السؤال النظري التاريخي عن العمل البسيط والعمل المركب واي منهما المنتج الأكبر والحقيقي لفائض القيمة وحول العمل كمعادل عام و التخلص من شبح زمن العمل الحاذق يجب أن يكون في المؤخرة أو أن تعمم إمتيازاته ورفاهيته النسبية على الطبقة العاملة وعموم الأجراء والتطبيق الحازم في تلك الخصوم التاريخية للنظرية. فذلك بالتأكيد ما لا يجب بذل أي مجهود ذهني راهنا لفائدته وإلا أعتبرتنا أي عقلانية ممكنة في عداد المرضى الحالمين وهم بحالة اليقظة . فما ابعدنا عن راهنية نقاش النقابي لذلك بحساب الزمن الموضوعي وحتى بحسابات الأحلام والتخيلات الايديولوجية فترهات و حماقات بعضهم بلغ بها تطرفه الفئوي السكتاري المهني إلى حد أن قراءته الرافضة والمتحاملة على حراك البنكاجية وأجراء المؤسسات المالية وشركات التأجير المالي والتأمين حد أنه أكتشف لدى رفيقاته ورفاقه من نقابي تلك القطاعات المترفة والمتبرجزة والغارقة في بحبوحة العيش الخطيئة الفادحة التي يخجل التلميذ من إرتكابها والمتمثلة في تلويث وترك بطحاء محمد علي برائحة العطورات الفاخرة كما لو أن ثوريته تشترط على النضال النقابي العمالي أن تكون رائحته نتنة فحقا وفعلا أن أزمة قيادة الإتحاد العام التونسي للشغل باتت تعبق الفضاء العام وتزكم أنوفنا بروائح كريهة أقرب منها إلى روائح الجثث منها إلى أي روائح أخرى ..

- ناشط حقوقي و عضو اللجنة المركزية لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحًد في تونس