السيادة على قياس الاحتلال ..
مقالات
السيادة على قياس الاحتلال ..
عباس المعلم
27 حزيران 2026 , 20:28 م

السلطة لم توقّع اتفاقاً مع الاحتلال فحسب، بل سعت إلى نقل المواجهة إلى الداخل اللبناني. فجوهر هذا المسار يقوم على وضع بيئة المقاومة، ولا سيما أبناء القرى المحتلة، في مواجهة خيار قاسٍ: إما القبول بشروط الاتفاق، أو تحميل المقاومة مسؤولية استمرار الاحتلال وتأخر العودة والإعمار، عبر تكريس رواية تقول إن رفض تسليم السلاح هو ما يمنع تحرير الأرض وعودة أهلها إليها.

ما أقدمت عليه السلطة يتجاوز، في نظر منتقديها، المفهوم التقليدي لأي تسوية أو استسلام سياسي. فهي لم تكتفِ بتجريم المقاومة وتصويرها كقوة خارجة على القانون، بل منحت الاحتلال موقع الشريك في مشروع تزعم أنه لاستعادة السيادة. وفي المقابل، تحوّل الاحتلال، الذي لا يزال يسيطر على أراضٍ لبنانية ويمنع عودة أهلها، إلى طرف تُدار معه التفاهمات، فيما وُضعت المقاومة في خانة الخصم الداخلي المطلوب تطويقه سياسياً وأمنياً.

والأخطر أن السلطة وظّفت مأساة شريحة واسعة من اللبنانيين بوصفها أداة ضغط وابتزاز سياسي. فبدلاً من احتضان من فقدوا بيوتهم وأرزاقهم، وتسخير كل إمكانات الدولة لتحرير أرضهم وتأمين عودتهم وإعادة إعمار قراهم، ربطت هذه الحقوق بشروط سياسية تتصل بمصير المقاومة وسلاحها، بينما بقي الاحتلال يتمتع بواقع ميداني يتيح له الاستمرار في احتلال الأرض ومنع تحريرها، من دون أن يواجه أي ضغط فعلي من الدولة لإنهاء هذا الواقع. بهذه المعادلة، لم يعد الاحتلال هو المشكلة التي ينبغي إنهاؤها، بل أصبح وجود المقاومة هو المشكلة التي تُبنى عليها سياسات السلطة وخياراتها، في انقلاب سياسي يعيد تعريف مفهوم السيادة على نحو يجعل الضحية موضع اتهام، ويمنح المحتل موقع الشريك في رسم مستقبل البلاد.

عباس المعلم - كاتب سياسي