لماذا تخطر أفضل الأفكار أثناء المشي أو الجري، بينما تبدو الحلول بعيدة المنال عند الجلوس لساعات أمام مهمة معقدة؟ حاولت دراسة حديثة الإجابة عن هذا السؤال، موضحةً أن شرود الذهن لا يعتمد بالدرجة الأولى على صعوبة المهمة، بل على مدى حاجة الدماغ إلى التحكم في الانتباه
وتقدم نتائج الدراسة تفسيرا جديدا للآليات التي تتحكم في انتقال العقل بين التركيز وشرود الذهن، إلى جانب توصيات عملية يمكن الاستفادة منها في تحسين الأداء في العمل والدراسة وتعزيز التفكير الإبداعي.

الاعتقاد الشائع
كان الاعتقاد الشائع بين الباحثين أن شرود الذهن يتبع منحنى على شكل حرف U، أي أنه يزداد عندما تكون المهمة سهلة جدا بسبب الشعور بالملل، أو عندما تكون شديدة الصعوبة نتيجة الإرهاق الذهني.
إلا أن الباحث جوردان فيرمان توصل إلى نتائج تشير إلى أن الواقع أكثر تعقيدا من هذا التفسير التقليدي.
كيف أُجريت الدراسة؟
شارك في الدراسة 80 متطوعا خضعوا لثلاثة أنواع من الاختبارات التي تستهدف نظام التحكم الكابح في الدماغ، وهو النظام المسؤول عن إيقاف الاستجابات التلقائية وكبح الاندفاعات غير المناسبة.
وخلال التجارب، كان الباحثون يسألون المشاركين بصورة دورية عما إذا كانت أذهانهم قد شردت عن المهمة، كما جرى قياس زمن استجابتهم في كل اختبار.
نتائج التجربتين الأوليين
في الاختبارين الأول والثاني، طُلب من المشاركين الاستجابة لإشارات معينة أو الامتناع عن الاستجابة لها، إضافة إلى اختيار حرف من بين خيارين أو ستة خيارات.
وأظهرت النتائج أن شرود الذهن كان أكثر شيوعا عندما كانت المهام أبسط وتتطلب قدرا أقل من التحكم الذهني.
ويشير ذلك إلى أن انخفاض الحاجة إلى مراقبة الانتباه يزيد من احتمالية تشتت الأفكار.
تجربة كشفت مفاجأة
في التجربة الثالثة، استخدم الباحثون اختبار ستروب، حيث طُلب من المشاركين مقارنة أرقام مع تجاهل شكل الخط المستخدم في كتابتها.
وكان من المتوقع أن يؤدي ارتفاع مستوى صعوبة المهمة إلى زيادة شرود الذهن، لكن النتائج جاءت مخالفة لذلك.
فقد تبين أن صعوبة المهمة لم تؤثر في معدل شرود الذهن، إذ ظل المشاركون يفقدون تركيزهم بالمعدل نفسه تقريبا، سواء كانت المهمة سهلة أو معقدة.
دور التحكم في الانتباه
أوضح جوردان فيرمان أن تشغيل نظام التحكم الكابح يجعل الأشخاص يركزون بصورة أكبر على المهمة، ويمنعهم من الاستجابة السريعة أو التلقائية.
وبعبارة أخرى، فإن العامل الحاسم ليس صعوبة المهمة نفسها، وإنما مقدار التحكم والانتباه الذي تتطلبه.
كيف تستفيد من النتائج؟
تشير الدراسة إلى أن اختيار نوع النشاط يمكن أن يساعد في التحكم بدرجة التركيز أو تشجيع الإبداع، وفقا للهدف المطلوب.
فإذا كنت بحاجة إلى تركيز عالٍ، فمن الأفضل ممارسة أنشطة تتطلب اتخاذ قرارات مستمرة وكبح الاستجابات غير الصحيحة وتجاهل المشتتات.
ويضرب الباحث مثالا برياضة التنس، التي تتطلب ردود فعل سريعة واتخاذ قرارات متواصلة، مما يساعد على إبقاء الانتباه مركزا.
أما الأنشطة الرتيبة مثل المشي أو الجري، فإنها تتيح للعقل مساحة أكبر لشرود الأفكار، وهو ما قد يسهم في توليد أفكار جديدة وحلول إبداعية.
تطبيق النتائج في بيئة العمل
يمكن الاستفادة من هذه النتائج أيضا أثناء العمل.
فإذا كانت المهمة تتطلب تركيزا عميقا، فقد يكون من المفيد العمل في بيئة تحتوي على قدر محدود من المشتتات، مثل المقاهي، حيث يضطر الدماغ إلى تفعيل آليات التحكم في الانتباه وتجاهل المؤثرات المحيطة.
أما إذا واجهت صعوبة في حل مشكلة إبداعية، فقد يكون الابتعاد عنها لبعض الوقت أو القيام بنشاط بسيط مثل المشي هو الخيار الأفضل، إذ إن التوقف عن التفكير المباشر في المشكلة قد يساعد على الوصول إلى الحل.
لا توجد قاعدة واحدة للجميع
يشير الباحثون إلى أن العوامل الشخصية والعادات الفردية لا تزال تؤثر في طريقة عمل الانتباه وشرود الذهن، ولذلك لا توجد وصفة واحدة تناسب الجميع.
ومع ذلك، فإن فهم الآليات التي تتحكم في شرود الذهن يمنح الأفراد وسيلة أفضل لتنظيم أوقات العمل والراحة، وتحقيق توازن يساعد على رفع الإنتاجية وتعزيز الإبداع.