✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي
لم يكن تشييع القائد الشهيد السيد علي الخامنئي حدثًا جنائزيًا عابرًا، ولا مناسبةً بروتوكوليةً لتوديع قائدٍ رحل، فقد تحول إلى مشهدٍ تاريخي استثنائي، ازدحمت فيه السياسة بالعقيدة، واختلطت فيه دموع الوداع برسائل التحدي، في واحدة من أكبر الحشود التي شهدتها الجمهورية الإسلامية منذ انتصار الثورة.
فمنذ انطلاق مراسم التشييع، توافدت الملايين من مختلف المحافظات الإيرانية إلى العاصمة طهران، فيما حضرت وفود رسمية وشعبية من عشرات الدول، في مشهدٍ عكس حجم المكانة التي يحتلها الشهيد الخامنئي، وأكد أن تأثيره تجاوز حدود إيران ليصبح أحد أبرز رموز محور المقاومة في المنطقة.
لقد أراد أعداء إيران، وفي مقدمتهم العدو الصهيوامريكي، أن يكون اغتيال الإمام السيد الخامنئي بداية انهيار الجمهورية الإسلامية، لكن ما جرى في ساحات التشييع جاء معبرًا عن حقيقة مغايرة تمامًا؛ إذ بدا أن الجماهير جاءت لتعلن أن المشروع الذي حمله الرجل لم يمت برحيله، وأن الدم الذي أريق سيزيد الأمة تماسكًا وإصرارًا.
ولم يكن الحضور الدولي الواسع مجرد مشاركة بروتوكولية، لكنها رسالة سياسية تؤكد أن الجمهورية الإسلامية ما زالت لاعبًا رئيسيًا في معادلات المنطقة، وأن محاولات عزلها أو كسر إرادتها لم تحقق أهدافها، رغم الحروب والعقوبات والضغوط الممتدة لسنوات.
أما داخليًا، فقد حملت مراسم التشييع دلالات عميقة على تماسك مؤسسات الدولة، وانتقالها المنظم إلى مرحلة جديدة، بما يعكس استقرار النظام السياسي وقدرته على إدارة أخطر المراحل دون اهتزاز، وهو ما يفند رهانات خصوم إيران على حدوث فراغ أو اضطراب بعد استشهاد قائد الثورة.
ولعل أكثر ما لفت أنظار العالم هو ذلك الحضور الشعبي الكثيف، حيث تحولت شوارع طهران إلى نهرٍ بشريٍ هادر، يهتف لفلسطين، ويؤكد استمرار نهج المقاومة، ويرفع شعارات الرفض للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، في رسالة واضحة مفادها أن المعركة لم تكن مع شخص، وإنما مع مشروعٍ كامل يتبناه شعب بأكمله.
ومن هنا، فإن قراءة هذا الحدث لا ينبغي أن تقتصر على مشاهد الحزن، إنما على ما يحمله من أبعاد استراتيجية؛ فالجنازات الكبرى في تاريخ الأمم كانت دائمًا محطات لإعادة إنتاج الإرادة الشعبية، وتجديد العهد بالمضي في الطريق ذاته، وهو ما بدا واضحًا في مشهد التشييع الذي أعاد التأكيد على أن خيار المقاومة ما يزال يحظى بحاضنة جماهيرية واسعة.
لقد كان الشهيد القائد يؤكد أن الأمة حين تمتلك الوعي لا تستطيع قوى الاستكبار أن تهزمها مهما امتلكت من سلاح، وأن المعركة الحقيقية هي معركة الوعي والثبات. وهذا ما تجسد في مشهد التشييع، حيث أثبتت الجماهير أن القادة قد يرحلون، لكن المبادئ التي عاشوا من أجلها تبقى حية في ضمير الشعوب.
كما يؤكد السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي أن محور المقاومة ليس تحالفًا عسكريًا فحسب، فهو مشروع أمةٍ يستمد قوته من الإيمان والقرآن، وأن استشهاد القادة لا يوقف المسيرة، بل يمنحها زخمًا جديدًا، ويكشف حجم الالتفاف الشعبي حول خيار العزة والاستقلال.
إن تشييع الشهيد السيد علي الخامنئي ليس نهاية مرحلة، فهو بداية مرحلة أكثر حساسية، ستشهد إعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز وحدة محور المقاومة، ومواصلة المواجهة مع مشاريع الهيمنة الأمريكية والصهيونية، التي أثبتت الأحداث أنها عاجزة عن كسر إرادة الشعوب الحرة.
وهكذا، سجلت طهران في أيام التشييع صفحةً جديدة في تاريخها، عنوانها أن القادة العظماء يرحلون بأجسادهم، لكنهم يظلون أحياءً في وجدان الأمم، وأن الشعوب التي تؤمن بقضيتها لا تنحني أمام الاغتيال، بل تجعل من دماء قادتها وقودًا لاستمرار المسيرة حتى يتحقق النصر.