في العلاقات الدولية لا توجد فراغات دائمة، بل مواقع نفوذ تتغير بإستمرار .
وخلال السنوات الماضية، تراجعت فرنسا عن أحد أكثر الملفات ارتباطا بتاريخ حضورها في المشرق، فيما تقدمت قوى إقليمية ودولية لملء ذلك الفراغ. واليوم، ومع تغير المشهد السوري والإقليمي، تبدو باريس وكأنها تحاول استعادة موقع فقدته أكثر مما تسعى إلى فتح صفحة دبلوماسية جديدة. لذلك فإن زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق لا يمكن قراءتها كحدث بروتوكولي، بل كمحاولة لإعادة التموضع في لحظة تشهد إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، حيث أصبحت المصالح تتقدم على المواقف، والبراغماتية تتغلب على سياسات القطيعة.
تأتي هذه الزيارة في مرحلة تشهد تحولات متسارعة في المشهد الإقليمي، وانفتاحا تدريجيا من بعض العواصم الغربية على السلطة السورية الجديدة، في ظل قناعة متزايدة بأن سنوات العزل السياسي لم تعد تحقق النتائج التي كانت تراهن عليها الدول الغربية. ومن هنا، تسعى باريس إلى أن تكون في مقدمة الدول الأوروبية التي تعيد بناء قنوات التواصل مع دمشق، بما يضمن لها دورا مؤثرا في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
وتدرك فرنسا أنها خسرت خلال سنوات الحرب جزءا كبيرا من نفوذها التقليدي في بلاد الشام، بعدما تمددت أدوار قوى أخرى، كتركيا وروسيا وإيران وعدد من الدول العربية، وهو ما يدفعها اليوم إلى محاولة استعادة حضورها السياسي والاقتصادي، وعدم ترك الساحة السورية لمعادلات جديدة تُصاغ بعيدًا عن مصالحها.
ولا يقتصر الهدف الفرنسي على البعد السياسي، بل يمتد إلى الاقتصاد أيضًا. فإعادة إعمار سوريا تمثل فرصة استراتيجية للشركات الأوروبية، وتسعى باريس إلى ضمان موقع متقدم لشركاتها في قطاعات البنية التحتية والطاقة والنقل والاتصالات والخدمات، قبل أن تذهب الحصة الأكبر إلى منافسين سبق أن رسخوا وجودهم داخل السوق السورية.
وفي الجانب الأمني، تحمل الزيارة أهمية خاصة بالنسبة لفرنسا، التي تنظر إلى مكافحة الإرهاب ومنع عودة تنظيم داعش، والحد من الهجرة غير النظامية، ومواجهة شبكات تهريب المخدرات، باعتبارها ملفات ترتبط مباشرة بالأمن الأوروبي، وهو ما يجعل التنسيق مع دمشق خيارا تفرضه المصالح المشتركة أكثر من أي اعتبارات أخرى.
وفي المقابل، من المتوقع أن تطرح باريس مجموعة من الملفات، في مقدمتها ملف الأقليات، وتعزيز الاستقرار الداخلي، وتهيئة بيئة قانونية واقتصادية جاذبة للاستثمارات الأجنبية، إلى جانب التعاون في ملف اللاجئين وتهيئة الظروف المناسبة للعودة الطوعية، مع استمرار الحديث عن إصلاحات مؤسساتية في كافة المجالات قد تُشكل مدخلا لتوسيع الانفتاح الأوروبي على سوريا.
أما دمشق، فإن نجاح هذه الزيارة سيمنحها مكسبا سياسيا يتمثل في تعزيز الاعتراف الدولي بها، وفتح نافذة جديدة على أوروبا بعد سنوات من العزلة، كما قد يشجع دولا أوروبية أخرى على انتهاج المسار نفسه إذا أثبتت المبادرة الفرنسية قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة.
في النهاية، لا تبدو زيارة ماكرون إلى دمشق مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل تعكس بداية مرحلة جديدة من إعادة التموضع الدولي في سوريا. فباريس لا تعود بدافع المجاملة السياسية، بل انطلاقا من إدراك أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة مختلفة، وأن من يتأخر عن إعادة التموضع اليوم، قد يجد نفسه خارج معادلات الغد. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد لماذا يزور ماكرون دمشق، بل ما الذي ستفتحه هذه الزيارة من أبواب أمام سوريا وأوروبا، وما إذا كانت ستشكل بداية مسار أوروبي جديد عنوانه البراغماتية السياسية، أم ستظل مجرد خطوة منفردة في مشهد إقليمي لا يزال مفتوحًا على جميع الاحتمالات.