كتب: موسى عبّاس
لَا تُشَيِّعُ الأُمَمُ أَجْسَادَ قَادَتِهَا فَقَطْ، بَلْ تُشَيِّعُ مَعَهَا اخْتِبَاراً حَيّاً لِمَدَى تَمَاسُكِ مَشَارِيعِهَا. فَمَشْهَدُ عشرات الملايين مِن الإيرانيين فِي تَشْيِيعِ السَّيِّدِ عَلِيِّ الخَامِنَئِيِّ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ جِنَازَةٍ، بَلْ كَانَ بَيَاناً سِيَاسِيّاً صَاخِباً أَثْبَتَ أَنَّ الفِكْرَةَ قَدْ تَتَجَدَّدُ بِالجَسَدِ أَوْ تُدْفَنُ مَعَهُ.
وَاليَوْمَ، يَبْرُزُ سُؤَالٌ قَاسٍ يَطْرُقُ أَبْوَابَ مُخْتَلِفِ الدول فيما يُسمَى دّول العالمْ الثّالث لا سيَّما الدُوَلْ العربيّة: كَيْفَ تَبْنِي دُوَلٌ قُوَّتَهَا مِنْ لَهِيبِ الحِصَارِ، بَيْنَمَا تُحَوِّلُ دُوَلٌ أُخْرَى وَفْرَةَ المَوَارِدِ إِلَى تَبَعِيَّةٍ مُهِينَةٍ؟
— الجَامِعَةُ فِي مُوَاجَهَةِ المِشْنَقَةِ:
الخَطَأُ الأَكْبَرُ هُوَ اخْتِزَالُ التَّجْرِبَةِ الإِيرَانِيَّةِ فِي الشِّعَارَاتِ. الحَقِيقَةُ أَنَّ إِيرَانَ حَوَّلَتِ العُقُوبَاتِ مِنْ مِشْنَقَةٍ إِلَى مُخْتَبَرٍ لِلنَّهْضَةِ. حِينَ أُغْلِقَتِ الأَبْوَابُ العَالَمِيَّةُ، فُتِحَتْ أَبْوَابُ التَّصْنِيعِ العَسْكَرِيِّ، وَالبِيُوتِكْنُولُوجِيَا، وَالصِّنَاعَةِ الدَّوَائِيَّةِ. لَقَدْ صَارَ الحِصَارُ جَامِعَةً لِإِنْتَاجِ البَدَائِلِ، لَا شَمَّاعَةً لِتَعْلِيقِ الفَشَلِ. وَأَثْبَتَتِ التَّجْرِبَةُ أَنَّ مَوَازِينَ القُوَّةِ اليَوْمَ لَا تُقَاسُ بِمَا تَمْلِكُهُ فِي المَصارِفْ، بَلْ بِمَا تَسْتَطِيعُ إِنْتَاجَهُ فِي المَصَانِعِ، وَمَا تَسْتَطِيعُ حِمَايَتَهُ فِي المَيْدَانِ.
— مُعَادَلَةُ الصُّمُودِ: العَقِيدَةُ وَالتَّكْتِيكُ.
اسْتَنَدَ البَقَاءُ الإِيرَانِيُّ إِلَى رَكِيزَتَيْنِ أساسُيَتَيْن:
أَوَّلاً: عَقِيدَةٌ صَلْبَةٌ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ جُذُورِهَا التَّارِيخِيَّةِ؛ فَهِيَ عَقِيدَةٌ دِينِيَّةٌ مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ سِيرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، وَنَهْجِ الإِمَامِ عَلِيٍّ فِي الحُكْمِ وَالعَدْلِ، وَثَوْرَةِ الإِمَامِ الحُسَيْنِ كَمُنْطَلَقٍ أَصِيلٍ لِمُوَاجَهَةِ الطُّغْيَانِ وَالظُّلْمِ وَالفَسَادِ. وَفِي قَلْبِ هَذِهِ العَقِيدَةِ تَتَجَلَّى ثَقَافَةُ الشَّهَادَةِ، حَيْثُ يُعْتَبَرُ بَذْلُ المُهَجِ لِأَجْلِ أَنْ يَحْيَا الآخَرُونَ وَفِي سَبِيلِ عِزَّةِ الوَطَنِ قِمَّةَ العَطَاءِ وَأَسْمَى مَرَاتِبِ التَّضْحِيَةِ. هَذِهِ الجُذُورُ مَنَحَتِ النِّظَامَ بُوصَلَةً أَخْلَاقِيَّةً تَرَى فِي مُقَاوَمَةِ الهَيْمَنَةِ فَرِيضَةً لَا تَقْبَلُ المَسَاوَمَةَ.
ثَانِياً:تَكْتِيكٌ مَرِنٌ يَتَمَثَّلُ فِي القُدْرَةِ عَلَى تَطْوِيرِ الأَدَوَاتِ بِمَا يَخْدُمُ الغَايَةَ. لَقَدْ دَفَعَ الشَّعْبُ الإِيرَانِيُّ أَثْمَاناً بَاهِظَةً، لَكِنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّ التَّحَرُّرَ مِنَ التَّبَعِيَّةِ لَا يُنْتَزَعُ إِلَّا بِالتَّضْحِيَةِ. وَلَمْ يَقْتَصِرْ هَذَا النَّهْجُ عَلَى البِنَاءِ الدَّاخِلِيِّ، بَلِ امْتَدَّ لِيَكُونَ سَنَداً عَمِيقاً وَمُبَاشِراً لِحَرَكَاتِ المُقَاوَمَةِ فِي فِلَسْطِينَ وَلُبْنَانَ وَالعِرَاقِ وَاليَمَنِ فِي مَعَارِكِهِمُ المَصِيرِيَّةِ ضِدَّ الاحْتِلَالِ،عِلْماً أَنَّ بَعْضَ النُّظُمِ العَرَبِيَّةِ اخْتَارَتْ طَرِيقَ التَّخَاذُلِ بَلْ وَالتَّآمُرِ عَلَى هَذِهِ المَقَاوَمَاتِ.
— الفَجْوَةُ العَرَبِيَّةُ: نَقْدٌ ذَاتِيٌّ لِلْوَاقِعِ.
فِي المُقَابِلِ، تقِفُ الدُول العربيّة أَمَامَ مِرْآةِ الفَشَلِ المَرِيرَةِ. لَا نَعِيشُ تلك الدُوَل تَحْتَ حِصَارٍ دَوْلِيٍّ خَانِقٍ كَمَا هُوَ حَالُ إِيرَانَ، بَلْ تَمْلِكُ بِحَاراً مِنَ الثَّرَوَاتِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ تّنْتِجْ مَشْرُوعاً سِيَادِيّاً يَضْمَنُ أَمْنَها السياسي والاِقتصادي والعَسْكَري. إِنَّ مُعْضِلَتَها لَيْسَتْ فِي الحِصَارِ، بَلْ فِي "الحِصَارِ الذَّاتِيِّ" الَّذِي فَرَضْتْهُ على نْفُسِها بِتَحْوِيلِ الوَفْرَةِ إِلَى أَدَاةِ تَبَعِيَّةٍ؛ حَيْثُ صَارَتْ ثرواتها ضَمَانَةً لِوَلَاءَاتِها لِلْخَارِجِ بَدَلاً مِنْ أَنْ تَكُونَ رَافِعَةً لِلنَّهْضَةِ. إِنَّ دَفْعَ "الجِزْيَةِ" تَحْتَ وَهْمِ الحِمَايَةِ أَثْبَتَ أَنَّهُ وَهْمٌ كَبِيرٌ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ.
— نَحْوَ اسْتِرَاتِيجِيَّةِ البَدِيلِ:
الخُرُوجُ مِنْ دَوَّامَةِ التَّبَعِيَّةِ يَتَطَلَّبُ تَحَوُّلاً جِذْرِيّاً فِي العَقْلِيَّةِ الجَمْعِيَّةِ عَبْرَ ثَلَاثَةِ مَسَارَاتٍ:
أَوَّلاً، الجَرْدُ الاسْتِرَاتِيجِيُّ: مُصَارَحَةُ الذَّاتِ بِمَوَاطِنِ القُوَّةِ وَالضَّعْفِ بِلَا مُوَارَبَةٍ.
ثَانِياً، عَقِيدَةُ النِّدِّيَّةِ:
التَّخَلِّي عَنْ فِكْرَةِ العَجْزِ، وَرَفْضُ الخُضُوعِ لِأَيِّ كَانَ؛ فَالدُّوَلُ لَا تَحْتَرِمُ التَّابِعَ، بَلْ تَحْتَرِمُ مَنْ يَفْرِضُ قَوَاعِدَهُ.
ثَالِثاً، دَوْلَةُ المُؤَسَّسَةِ:
الانْتِقَالُ مِنْ حُكْمِ الشَّخْصِ إِلَى دَوْلَةِ المَشْرُوعِ الَّذِي يَتَجَدَّدُ بِالأَجْيَالِ.
— التَّارِيخُ لَا يَرْحَمُ الغَافِلِينَ:
إِنَّ مَنْ يَنْتَظِرُ مِنَ التَّارِيخِ أَنْ يَمْنَحَهُ دَوْلَةً تمتلك قرارها الحُرْ والمُسْتَقِلْ دُونَ عَمَلٍ أَوْ تَوْقٍ لِلسِّيَادَةِ، فَهُوَ وَاهِمٌ. لَقَدْ أَعَادَتْ إِيرَانُ صِيَاغَةَ قَوَاعِدِ الاشْتِبَاكِ؛ فَالقَائِدُ عِنْدَهُمْ يَمُوتُ، لَكِنَّ المَشْرُوعَ يَتَضَخَّمُ، وَالجِزْيَةُ تُدْفَعُ لِلْخَارِجِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، لَكِنَّ القُوَّةَ تُسْتَنْبَتُ فِي إِيرَانَ. إِنَّ مِيزَانَ التَّارِيخِ لَا يَعْتَرِفُ بِالأَعْذَارِ، بَلْ بِالفِعْلِ المُتَجَسِّدِ فِي المَيْدَانِ. إِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ صُنَّاعَ مَصِيرِنَا بِأَيْدِينَا، أَوْ نَبْقَى عَبِيداً لِمَشَارِيعِ الآخَرِينَ، وَفِي كِلَا الحَالَتَيْنِ، سَتَحْفِرُ ذَاكِرَةُ الأُمَّةِ بِحُرُوفٍ مِنْ نَارٍ مَنْ بَنَى حُصُونَهَا، وَمَنْ بَاعَهَا بِثَمَنٍ بَخْسٍ.