بين اتفاقين… وتسوية ثالثة غير معلنة..؟!
مقالات
بين اتفاقين… وتسوية ثالثة غير معلنة..؟!
عباس المعلم
7 تموز 2026 , 16:39 م

بين الدفاع المستميت الذي تبديه السلطة اللبنانية، ولا سيما جوزيف عون، عن اتفاق الإطار مع العدو، وتقديمه بوصفه الممر الإلزامي لإنهاء الاحتلال، واستعادة الأسرى، ووقف الحرب، وإطلاق مسار إعادة الإعمار، وبين الخطاب الإسرائيلي الذي يتعامل مع الاتفاق ذاته بوصفه أحد أهم المكاسب الاستراتيجية التي حققتها تل أبيب منذ سنوات، تتكشف فجوة سياسية يصعب تفسيرها بالقراءة التقليدية.

فنتنياهو وزامير وسموتريتش لا يخفون اعتبارهم هذا الاتفاق إنجازاً تاريخياً؛ لأنه، من وجهة نظرهم، يضفي شرعية سياسية وأمنية على استمرار الوجود الإسرائيلي في الجنوب، ويمنح المؤسسة العسكرية هامشاً مفتوحاً للحركة تحت ذريعة مواجهة “التهديدات”. والأخطر من ذلك أنه يؤسس، بصورة غير مباشرة، لآلية تجعل تقييم أداء الجيش اللبناني ومدى التزامه بالشروط الإسرائيلية جزءاً من معادلة التنفيذ، بما يحوّل السيادة اللبنانية إلى ملف يخضع للمراقبة والتقويم الخارجي، لا إلى حق سيادي خالص.

في المقابل، حمل اتفاق إسلام آباد بين طهران وواشنطن مقاربة مختلفة جذرياً، إذ ارتكز على وقف الحرب وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية خلال مهلة زمنية محددة. وبين المسارين تبدو الهوة واسعة، ليس فقط في آليات التنفيذ، بل في الفلسفة السياسية التي يقوم عليها كل منهما، وفي تعريفهما لمفهوم الأمن، وحدود السيادة، وطبيعة التسوية الإقليمية المنشودة.

ظاهرياً، يبدو الاتفاقان منفصلين بالكامل، بل متناقضين إلى حد يصعب معه العثور على نقطة تقاطع واحدة بينهما. غير أن السياسة الإقليمية نادراً ما تُدار وفق النصوص المعلنة، بل غالباً ما تُحكم بالتفاهمات غير المرئية، وبالتوازنات التي تُنسج خلف أبواب التفاوض المغلقة.

هل يقود هذا التباين إلى عودة التصعيد على الجبهتين اللبنانية والإيرانية؟ الاحتمال قائم بلا شك، لكنه ليس الخيار الأقل كلفة على أي من الأطراف. فالمشهد الإقليمي تجاوز مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها أدوات الضغط العسكري مع الحسابات الاقتصادية والدبلوماسية، فيما تسعى القوى الفاعلة إلى إعادة صياغة موازين الردع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

أما التصعيد اللفظي الإسرائيلي، وما يصدر عن قادة الكيان من حديث متكرر عن الاستعداد لجولة جديدة، فقد يكون في جانب منه محاولة لرفع سقف التفاوض وتعويض العجز عن تحويل النتائج العسكرية التي راكمتها إسرائيل خلال الأعوام الثلاثة الماضية، ولا سيما في لبنان وإيران، إلى مكاسب سياسية واستراتيجية مستقرة. فالحروب تُقاس في نهايتها بما تنتجه على طاولة السياسة، لا بما تحققه في ساحات القتال وحدها.

ومن هنا، قد يكون المشهد برمّته مؤشراً إلى وجود إطار تفاهم موازٍ، غير معلن حتى الآن، بدأ يتبلور بعيداً عن النصوص الرسمية لاتفاق واشنطن واتفاق إسلام آباد، أو ربما دخل بالفعل حيّز التنفيذ بصمت. إطار يقوم على مقايضات متبادلة وتفاهمات مرحلية تحفظ الحد الأدنى من مصالح جميع الأطراف، وتؤجل حسم الملفات الأكثر حساسية إلى مرحلة لاحقة.

وعليه، فإن المعيار الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون ما يُعلن في البيانات الرسمية، بل ما سيتغير ميدانياً على الأرض: هل يبدأ الاحتلال بالانكفاء فعلياً؟ هل تتراجع وتيرة الاعتداءات؟ وهل تُستعاد السيادة اللبنانية بالفعل، أم يُعاد إنتاجها ضمن قواعد اشتباك جديدة أكثر تعقيداً؟ فالإجابة عن هذه الأسئلة وحدها ستكشف ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية مستترة… أم نحو جولة جديدة من إعادة رسم خرائط القوة بالنار والسياسة معاً.

عباس المعلم - كاتب سياسي