بقلم د. هناء سعادة
لم تعد تداعيات الحرب على إيران تُقرأ من خلال ميزان العمليات العسكرية وحده، بل باتت تُقاس أيضاً بما أفرزته من تحولات في المشهدين السياسي والإعلامي. فبعد أسابيع من الخطاب الذي روّج لانهيار الدولة الإيرانية واقتراب لحظة تغيير النظام، بدأت أصوات من داخل كيان الاحتلال تتحدث عن إخفاقات في التقدير، وعن نتائج جاءت مغايرة للأهداف التي رُسمت في بداية المواجهة. وبينما كانت الحرب تُسوَّق على أنها بداية مرحلة جديدة في المنطقة، جاءت الوقائع اللاحقة لتفتح باباً واسعاً للنقاش حول حدود القوة العسكرية في مواجهة تماسك الدول وقدرة المجتمعات على الصمود.
وفي هذا السياق، كتب المحلل الصهيوني بن كاسبيت أن مسؤولين وخبراء أمنيين في كيان الاحتلال يقرّون بارتكاب أخطاء استراتيجية خلال الحرب على إيران، معتبرين أن "تل أبيب" خرجت من المواجهة في وضع أكثر هشاشة على المستويين السياسي والدبلوماسي. وأشار إلى أن عدداً من المسؤولين يرون أن الاحتلال وجد نفسه في موقع استراتيجي أضعف مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، بعدما انتقل الاهتمام الدولي من الحديث عن البرنامج النووي الإيراني إلى قضية حرية الملاحة في مضيق هرمز، وهو تحول يعكس تغيراً في أولويات المجتمع الدولي.
كما لفت بن كاسبيت إلى أن تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بشأن البرنامج النووي الإيراني واجهت انتقادات حتى داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية، حيث اعتبرها خصومه محاولة لتبرير الحرب وإعادة صياغة سرديتها بعد انتهاء المواجهة. وأضاف أن التباين داخل المؤسسة الإسرائيلية انعكس أيضاً على العلاقة مع الإدارة الأمريكية، في ظل تقارير تحدثت عن تزايد الشكوك في واشنطن بشأن بعض السياسات الإسرائيلية، خاصة بعد الحديث عن مخططات لاستهداف مسؤولين إيرانيين كانوا يشاركون في مسار التفاوض.
وتكشف هذه المعطيات أن إحدى أبرز ساحات المواجهة لم تكن عسكرية فحسب، وإنما إعلامية ونفسية أيضاً. فقد سعت الولايات المتحدة وكيان الاحتلال، منذ الساعات الأولى للحرب، إلى ترسيخ صورة مفادها أن إيران تعيش حالة انهيار داخلي، وأن الضربات العسكرية ستؤدي إلى تفكك الجبهة الداخلية وإضعاف شرعية الدولة، تمهيداً لفرض معادلات سياسية جديدة. غير أن مسار الأحداث سار في اتجاه مختلف، إذ أظهرت الوقائع أن المجتمع الإيراني احتفظ بدرجة عالية من التماسك، وأن مؤسسات الدولة واصلت أداء وظائفها، بينما تحولت محاولات التأثير النفسي إلى اختبار لقدرة الإيرانيين على الالتفاف حول دولتهم في لحظة الأزمة.
ولعل المشهد الأبرز الذي عكس هذا الواقع تمثل في مراسم تشييع الإمام الخامنئي، التي تحولت إلى واحدة من أكبر التجمعات الشعبية في التاريخ المعاصر، في صورة استوقفت وسائل الإعلام العالمية. فقد ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن عدد المشاركين في مراسم الجنازة تراوح بين 12 و15 مليون شخص، ما يجعلها أكبر جنازة في التاريخ الحديث. وفي السياق نفسه، رأت وكالة رويترز أن "بحر المعزّين" في طهران وجّه رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة وكيان الاحتلال مفادها أن محاولاتهما لكسر إيران لم تحقق أهدافها، مؤكدة أن مراسم التشييع تجاوزت كونها مجرد وداع وطني، لتغدو مشهداً يعكس تماسك المجتمع الإيراني ووحدته. وأضافت الوكالة أن إيران، بدلاً من أن تبدو أضعف بعد الحرب، ظهرت أكثر صموداً وتماسكاً وإصراراً على رسم مستقبلها، وهو ما منح هذا الحضور الشعبي أبعاداً تتجاوز رمزيته، ليغدو مؤشراً على تلاحم الدولة والمجتمع في مواجهة الضغوط الخارجية.
وتعزز هذه الصورة ما خلص إليه بن كاسبيت نفسه، حين نقل عن مصدر دبلوماسي صهيوني أن الحرب التي بدأت تحت عنوان البرنامج النووي والصواريخ الباليستية انتهت عملياً إلى التركيز على حرية الملاحة في مضيق هرمز، معتبراً أن ذلك يمثل فشلاً استراتيجياً في تحقيق الأهداف التي رُفعت في بداية المواجهة. كما رجح أن تتزايد الضغوط الأمريكية على حكومة الاحتلال في ملفات إقليمية أخرى، في حال أحرزت المفاوضات بين واشنطن وطهران أي تقدم خلال المرحلة المقبلة.
وتؤكد هذه القراءة أن نتائج الحروب لا تُحسم دائماً بحجم القوة العسكرية، وإنما بقدرة الدول على الحفاظ على تماسكها الداخلي وإدارة معركة الوعي والرواية. فحين تتماسك الجبهة الداخلية، وتفشل محاولات بث الانقسام، تتحول أدوات الحرب النفسية إلى عبء على أصحابها، وتفرض الوقائع الميدانية والسياسية سردية مختلفة عن تلك التي رُوّج لها مع بداية الحرب.