د . مهدي مبارك عبد الله
يوم الاثنين الماضي 17 / 8 / 2026 انتهت مهلة الستين يوما التي نص عليها اتفاق تفاهم إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران دون الوصول الى أي اتفاق نهائي او تسوية واضحة ومن دون أن تنجح الوساطات في إنتاج تمديد مستقر بعود على المنطقة بالاستقرار وهو ما يعني أن السؤال لم يعد هل انتهت المهلة بل ماذا بقي من التفاهم نفسه وهل نحن أمام نهاية مؤجلة للحرب أم أمام بداية جولة جديدة منها .
المفارقة الأهم في ثنايا الحدث أن مهلة الستين يوما لم تكن في أصلها هدنة مستقلة بالمعنى الذي جرى تداوله إعلاميا بقدر ما كانت نافذة زمنية للتفاوض على اتفاق نهائي بينما كان التفاهم يفترض إنهاء العمليات العسكرية ورفع الحصار البحري وفتح الطريق أمام معالجة الملفات الأكثر تعقيدا وفي مقدمتها البرنامج النووي والعقوبات والأموال الإيرانية المجمدة ومضيق هرمز .
وفقا لهذا الرؤية تبدو طهران اليوم أقل اهتماما بالتمديد للاتفاق وأكثر تمسكا بكشف من الذي أخل بالتفاهم أولا خاصة وان وزير الخارجية عباس عراقجي يؤكد أن الوثيقة منذ البداية تحدثت عن إنهاء الحرب وليس عن هدنة مؤقتة قابلة للتمديد بينما يقول المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي إن انتهاك واشنطن للتفاهم أفقد مهلة الستين يوما معناها ومضمونها وامكانية التفاهم حولها من جديد .
نقطة التحول الحقيقية تكمن بان إيران لا تبدو وكأنها تستعد للعودة الفورية إلى حرب شاملة لمجرد انتهاء الموعد الزمني وهي تتعامل مع التطورات الجديدة باعتبارها مرحلة ضغط متبادل طويلة تستخدم فيها السياسة والاقتصاد والملاحة والقدرة العسكرية في وقت واحد ولذلك أبقت طهران قنوات الوسطاء مفتوحة لكنها لم تعتبر ان نقل الرسائل عبر باكستان وقطر يمثل عودة ثانية إلى المفاوضات المباشرة .
في المقابل تبقى واشنطن أمام معضلة مختلفة وهي لم تحقق حتى الآن اتفاقا ينتزع من إيران التنازلات التي أعلنتها في بداية المواجهة كما أن هدف منع إيران من امتلاك السلاح النووي لم يتحول إلى تسوية نهائية بينما بقيت قضية هرمز مفتوحة وتحولت إلى عقدة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة .
ربما الامر الأهم في التحليل أن واشنطن نفسها ياتت تبدو مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها وبدلا من تركيز رهانها على استسلام إيراني شامل أصبح البحث عن وسائل عملة لاستقرار تدفق النفط والغاز ومنع امتلاك إيران سلاحا نوويا وهي في مقدمة الأهداف المعلنة وهو ما يعكس تراجعا تدريجيا في سقف المطالب الأصلية وصعوبة فرض تسوية بالقوة وحدها .
رغم كل ذلك لا يعني أن ترامب اختار التهدئة فقد أظهرت التطورات الأخيرة أن الإدارة الأميركية مستعدة لمواصلة الضغط الاقتصادي والحصار البحري وقد رفضت عمليا تمديد التهدئة المؤقتة فيما ارتفعت لغة التهديد تجاه طهران وحتى تجاه سلطنة عمان التي تحاول لعب دور في ترتيبات الملاحة عبر مضيق هرمز وهو ما يكشف بوضوح أن واشنطن لا تزال تراهن على الضغط بمختلف الوسائل لإجبار إيران على تقديم تنازلات أهم وأكبر .
على الجانب الاخر بقيت ايران تتمسك باستثمار ورقة هرمز باعتبارها أهم أوراق القوة المتبقية في يدها وهي لا تنظر إلى المضيق باعتباره ملفا تقنيا يتعلق بالملاحة فقط بل باعتباره ورقة تفاوضية واقتصادية وسيادية ذات تأثير كبير ولذلك انتقل جزء مهم من الجهد الدبلوماسي إلى سلطنة عمان التي اصبحت تبحث مع طهران الوصول الى ترتيبات لضمان استمرار الملاحة ووجود مسارات آمنة لعبور السفن .
خلال هذه المرحلة ظهرت الاستراتيجية الإيرانية بوضوح أكبر بان طهران لا تريد إغلاق الباب أمام التسوية لكنها لا تريد أيضا أن تقدم ورقة هرمز مجانا ولا أن تعود إلى تفاوض تحت الضغط الأميركي وهي لذلك تسعى الى تحويل المضيق من نقطة ضعف يمكن أن تستخدم ضدها إلى ورقة ضغط تستطيع من خلالها الضغط والتأثير في أسعار الطاقة وفي الحسابات والسياسات الأميركية والغربية .
التعامل الايراني مع قضية هرمز بهذه الطريقة يكتسب أهمية مضاعفة في مجريات الصراع لأن حركة الملاحة عبر المضيق تراجعت بصورة حادة وهو ما يرفع المخاطر على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية ويجعل استمرار الأزمة مكلفا ليس لإيران وحدها وإنما للولايات المتحدة وحلفائها والاقتصاد العالمي أيضا .
من هنا فإن إيران لا تحتاج بالضرورة إلى شن حرب شاملة لكي تحقق ضغطا على واشنطن بل يكفي أن تبقي تلوح بخطر التصعيد كخيار قائم وأن تحافظ على قدرتها على تعطيل الملاحة أو التأثير فيها وأن تستخدم الوسطاء في الحفاء والعلن لإبقاء باب التسوية مفتوحا وفي الوقت نفسه تواصل رفع جاهزيتها العسكرية حتى لا تدخل أي مفاوضات من موقع الضعف .
أما الولايات المتحدة فهي تملك بدورها أدوات ضغط ضخمة لكنها تواجه مشكلة مختلفة فالحصار والعقوبات قد يضغطان على الاقتصاد الإيراني لكنهما بالنتيجة لا يضمنان إسقاط إرادة وصمود القيادة الإيرانية ولا حتى امكانية إنهاء قدرتها المتواصلة على الرد ولذلك فإن استمرار الحرب دون وجود أفق واضح قد يتحول تدريجيا إلى عبء على الإدارة الأميركية نفسها خصوصا مع ارتفاع أسعار النفط واقتراب الانتخابات النصفية الأميركية والمخاوف المتصاعدة من خسارة الجمهوريين .
عمليا استمرار هذا الواقع يقودنا إلى امكانية تصور السيناريو الأول لما بعد نهاية المهلة وهو البدء بالتصعيد العسكري وقد يصبح أكثر احتمالا إذا فشلت الوساطات وواصلت واشنطن الضغط ورفضت إيران فتح مضيق هرمز وفق الشروط الأميركية لكن هذا السيناريو رغم خطورته وقوة احتماليته لا يعني بالضرورة شن حربا شاملة منذ اليوم الأول لأن الطرفين يعرفان حيدا أن جولة الحرب المقبلة ستكون أكثر تكلفة من الجولات كل السابقة وهذا يمثل عامل رجع قوي للطرفين .
السيناريو الثاني وهو الأرجح في قراءة المدى القريب حيث يتمثل في حرب بلا إعلان حرب ومفاوضات بلا اتفاق أي استمرار العقوبات والحصار والتهديدات والمناورات العسكرية في مقابل استمرار إيران في استخدام هرمز ورفع الجاهزية العسكرية مع بقاء قنوات الاتصال الخلفية مفتوحة .
أما السيناريو الثالث فهو يتمثل في العودة إلى التفاوض ولكن ليس من خلال تمديد آلي لمهلة الستين يوما وإنما عبر تفاهم جديد مختلف عن تفاهم إسلام آباد بحيث يبدأ من الملفات التي يمكن تسويتها أولا وربما تكون الملاحة في هرمز والأموال المجمدة وتخفيف بعض الضغوط الاقتصادية مدخلا للانتقال لاحقا إلى الملف النووي والعقوبات والضمانات الأمنية غبر تفاهم وترتيب افضل .
بالقراءة التحليلية الاولية لمسار الاحداث نجد ان هذا السيناريو بالتحديد لا يزال ممكنا سيما وان الوسطاء لم يغادروا المشهد التفاوضي وباكستان وقطر تواصلان نقل الرسائل بينما أصبحت سلطنة عمان طرفا أكثر أهمية في ملف هرمز كما أن وجود قنوات خلفية يعني أن انهيار المفاوضات العلنية لا يعني بالضرورة انهيار الدبلوماسية كلها .
لعل الخطأ الأكبر الذي يعتقده البعض أن انتهاء مدة الستين يوما يعني تلقائيا اندلاع نشوب حرب جديدة خصوصا وان المعطيات الحالية والمتوفرة تشير إلى شيء أكثر تعقيدا وهو انتقال الصراع من مرحلة التفاوض تحت سقف تفاهم هش إلى مرحلة اختبار إرادات طويلة لا يريد فيها أي طرف أن يبدو بمظهر المتراجع او المهزوم .
واقعيا إيران تحاول أن تقول للعالم إن الحرب لم تنته وإن الضغط العسكري لم يكسرها وإن هرمز ما زال ورقة فاعلة في يدها وإن أي اتفاق جديد يجب أن يتضمن ثمنا واضحا مقابل ما ستقدمه بينما يريد ترامب أن يقول غبر تصريحاته المتناقضة إن العقوبات والحصار والضغط العسكري يمكن أن تجبر طهران في النهاية على قبول شروط أكثر جدية وصعوبة واعلان موقف اقل نعنت وصلابة وهو مالم يحدث حتى الان .
كثير من المحللين والمراقبين يعتقدون ان المرحلة المقبلة لن تكون حالة حربا أو اتفاق سلام بالمعنى التقليدي وإنما ستدخل جولات مساومة قاسية بين الحرب والدبلوماسية وستكون الأيام والأسابيع القادمة اختبارا اعمق لقدرة كل طرف على تحمل الألم أكثر من الآخر ( سياسة عض الاصابع ) والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها اليوم أن تفاهم إسلام آباد انتهى زمنيا لكنه لم يحسم سياسيا ولا تزال بعض عناصره حية في قنوات الوساطة وفي الاتصالات الخلفية وفي محاولة البحث عن ترتيبات للملاحة ولذلك فإن التفاهم قد يكون حقيقة توفي بصيغته الأولى لكنه لم يمت كفكرة ومحاولة لا زالت مطلوبة .
من المرجح أن يكون السؤال الحقيقي لمرحلة ما بعد نهاثة مهلة الاتفاق ليس هل تعود الحرب فعلا وإنما من سيعود إلى طاولة التفاوض أولا وبأي شروط فإذا نجحت إيران في تحقيق الصمود الكامل والطويل أمام الضغط الأميركي فقد تضطر واشنطن إلى الرضوخ لبناء تفاهم جديد أقل طموحا من أهدافها الأصلية وإذا نجحت الولايات المتحدة في خنق الاقتصاد الإيراني وفرض ترتيبات جديدة في هرمز فقد تدخل طهران المفاوضات وهي أكثر استعدادا لتقديم تنازلات غير معهودة .
ختاما : إذا ما أخطأ أحد الطرفين في حساباته واعتقد أن الآخر لم يعد يملك القدرة على الرد فإن مهلة الستين يوما التي انتهت من دون سلام قد تتحول إلى شرارة لجولة أكثر خطورة وضراوة ولهذا فإن المنطقة ليست أمام نهاية الحرب وإنما أمام نهاية مرحلة من الحرب وربما بداية مرحلة أخطر منها والهدوء الذي يظهر في الافق لم يتحول بعد إلى سلام كما ان الحرب لم تتحول إلى انتصار والتفاهم العسير وعدم الثقة لم يتحولا إلى اتفاق وما بين هذه الحقائق الثلاث ستبقى واشنطن وطهران تمشيان على حافة التصعيد الخطير وهما تعرفان أن العودة إلى الحرب أسهل بكثير من العودة إلى اتفاق يصعب على أي منهما قبوله او التراجع عنه
كاتب وباحث متخصص في الشؤون التجارية