عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
لم يكن حديث الرئيس ترامب عن استخدام "آلاف الشاحنات" لنقل النفط الخليجي والعراقي إلى الموانئ السورية، مجرد شطحة لسان أو زلة نرجسية، بل هو تعبير فج عن الرغبة الجارحة في إعادة رسم الجغرافيا السياسية والاقتصادية للشرق الأوسط.
ففي علم الإقتصاد واللوجستيات، يُعتبر إستبدال الناقلات العملاقة بشاحنات برية أكروباتية إقتصادية مضحكة؛ فالناقلة الواحدة تستوعب ملايين البراميل، وتكاليف النقل البري تضاعف أسعار الطاقة في وقت يضغط فيه العالم لتخفيضها.
لكن خلف هذه الأراجيف التكتيكية يكمن المخطط الأساسي: مشروع "Pax Judaica" (السلام اليهودي) الذي تسعى الدولة العميقة لتنفيذ.
وقد إختارت الدولة العميقة أكثر الناس نرجسية في العالم لتنفيذ مشروعها ترامب ونتنياهو، وأمَّنت لهما الحماية، وضمنت لهما عدم المساس بهما.
فهما لا يتورعان عن إعادة تشكيل المنطقة بالحديد والنار.
#من القوة العسكرية إلى السيطرة الاقتصادية: القدس مركز التجارة العالمية
يقوم جوهر مشروع "Pax Judaica" على تحويل القدس وإسرائيل إلى نقطة الارتكاز المركزية للتجارة العالمية، والمحكمة سياسياً وعسكرياً في الشرق الأوسط.
هذا المخطط لا يكتفي بإعادة رسم الخرائط عبر مفهوم "إسرائيل الكبرى"، بل يسعى لتجريد المعابر المائية التاريخية من قيمتها الجيو-استراتيجية.
إن تجريد مضيق هرمز وباب المندب من أهليتهما كشريانين حيوين للسيادة الإقليمية، يتطلب إستبدالهما بمسارات تحكمها تل أبيب بالتنسيق مع واشنطن، مما يمنح الكيان المؤقت السيطرة المطلقة على تدفقات الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
إختراق الخليج: الزيارة الشبح لـ مسقط وقطار "سكة السلام الإقليمي"
لم تكن البدائل المائية والتجارية وليدة الساعة؛ لقد بدأت الخطوات التنفيذية علناً وسراً منذ سنوات. وتبرز هنا الزيارة الخاطفة والمفاجئة والعلنية التي قام بها بنيامين نتنياهو إلى مسقط في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2018، والتي أتبعها سريعاً وزير النقل والإستخبارات والأسرائيلي بتاريخ 05 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، بزيارة للعاصمة العمانية للمشاركة في مؤتمر النقل الدولي.
وفي تلك الزيارات، لم تكن النقاشات مجرد مجاملات دبلوماسية، بل طرح الكيان رسمياً مشروع "سكة حديد السلام الإقليمي"
(Tracks for Regional Peace).
ويهدف هذا
المشروع إلى ربط شبكات السكك الحديدية في الخليج مباشرة بميناء حيفا والموانئ على البحر المتوسط، مروراً بالأردن.
فهذا الممر البري صُمم ليكون البديل الهيكلي للالتفاف على مضيق هرمز وباب المندب، وتحويل إسرائيل إلى "الجسر البري" الإجباري للبضائع والطاقة بين آسيا وأوروبا، وهو ما تلاقى لاحقاً مع طرح ممر (IMEC) الهندي-الأوروبي.
#حلقات السلسلة: اليمن، تيران وصنافير، وتفكيك العقبات
تكتمل أبعاد هذا المشروع الجيوسياسي عبر خطوات متزامنة شهدتها المنطقة:
#السيطرة على باب المندب:
إنَّ المحاولات المستمرة لإخضاع اليمن والسيطرة على ساحله الغربي وجزره الإستراتيجية (جزيرة بريم او ميون وجزيرة سقطرى) ، وتهدف بوضوح إلى تأمين ملاحة قوات الإحتلال الإسرائيلية، وتحييد أي قوة إقليمية قادرة على إغلاق الممر المائي.
#نقل ملكية تيران وصنافير:
نقل السيادة على الجزيرتين من السيادة المصربَية إلى السيادة السعودية، كان خطوة بضغط أمريكي واضح خدمة لقوات الإحتلال، لضمان تحويل خليج العقبة إلى ممر دولي مفتوح بالكامل، تمهيداً لإنشاء مشروع "قناة بن غوريون" البديلة لقناة السويس.
#استهداف جدار المقاومة:
يرى مهندسو "Pax Judaica" أن إيران ودول محور المقاومة يمثلون العقبة الصلبة والجدار التاريخي الذي يمنع تصفية الجغرافيا العربية.
لذا، فإن استهداف إيران لا يتعلق بالملف النووي والصاروخي أو التفاوضي حول مضيق هرمز فحسب، بل هو قرار باستئصال السد الأخير الذي يحول دون تنفيذ المشروع الشامل.
سالمواجهة الحتمية
إن الترويج لأوهام النقل البري بالآلاف من الشاحنات، يتجاوز المنطق الاقتصادي ليخدم هدفاً نفسياً وسياسياً: إيهام العالم بأن المنطقة قادرة على العيش بدون معابرها التاريخية إذا ما خضعت للهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية.
غير أن صمود محور المقاومة والواقع الفيزيائي للإقتصاد العالمي يؤكدان أن الجغرافيا لا تُزوَّر بالأراجيف، وأن كلفة فرض "Pax Judaica" ستكون أكبر بكثير مما تستطيع الدولة العميقة وأدواتها تحمله.
وإنّ غدًا لناظره قريب
05 أيلول/ سبتمبر 2026