حسنًا، ما دام بعضهم يُصرّ على خلط السياسة بكرة القدم، لا انطلاقًا من مبدأ أو عقيدة، بل وفق أمزجة التشجيع والانتماءات الرياضية للأندية والمنتخبات، فلنُكمل النقاش على القاعدة نفسها.
عندها، كيف يُنتظر مني أن أشجّع منتخبًا أو أتعاطف مع خروجه، فيما أرى آلافًا من أهل غزة يحتشدون لتشجيعه، ويرفعون صور رئيس نظامٍ شارك، على مدى سنوات، في حصار القطاع وتجويعه، وغضّ الطرف عن حرب الإبادة التي استهدفت أبناءه؟ وكيف يمكن تجاهل هذا المشهد، فيما لم تفصل بينهم وبين ذلك النظام سوى أمتارٍ من الجغرافيا، لكن فصلتهم عنه كل معايير الموقف الأخلاقي؟
والأشد صخبًا أن أولئك أنفسهم، الذين خرجوا بالآلاف يذرفون الدموع على خروج مصر من المونديال، لم يخرج منهم حتى العشرات تضامنًا مع لبنان، الذي قدّم من أجل غزة آلاف الشهداء والجرحى، ودُمرت مدنه وقراه، ودفع أثمانًا باهظة وهو يخوض معركة الإسناد دفاعًا عنها. فقبل أن يُطالبنا أحد بتسييس كرة القدم أو بتجريم من يفصل بينها وبين السياسة، فليتأمل أولًا هذا القدر الفادح من الانتقائية، حيث تُستثار العواطف لخسارةٍ رياضية، بينما يصمت كثيرون أمام تضحياتٍ كُتبت بالدم.
عباس المعلم - كاتب سياسي