بقلم: د. هناء سعادة
لم يقتصر اهتمام الصحافة الغربية والصهيونية بمراسم تشييع الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي على وصف الحشود المليونية أو المشاهد الإنسانية التي ملأت شوارع طهران وقم، بل امتد إلى محاولة استشراف ما بعد التشييع، وما إذا كانت الجمهورية الإسلامية ستنجح في تحويل هذا الزخم الشعبي والسياسي إلى عنصر قوة في معادلات الإقليم.
وفي هذا السياق، جاءت قراءة صحيفة جيروزاليم بوست لافتة؛ إذ تعاملت مع مراسم التشييع بوصفها أكثر من حدث جنائزي، معتبرة أنها شكلت استعراضاً واسعاً لقدرة الدولة الإيرانية على إعادة تنظيم المشهد الداخلي، وإظهار تماسك مؤسساتها، واستمرار حضورها الإقليمي والدولي رغم الحرب والضغوط الاقتصادية والعقوبات.
ورأت الصحيفة أن إيران سعت، من خلال المشاركة الشعبية الواسعة وحضور الوفود الرسمية القادمة من آسيا والشرق الأوسط، إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أن الحرب لم تنجح في عزلها دبلوماسياً، وأن شبكة علاقاتها الدولية والإقليمية لا تزال قائمة. كما لفتت إلى مشاركة وفود من روسيا والصين ودول آسيا الوسطى والعراق وباكستان وأفغانستان، معتبرة أن هذا الحضور يعكس استمرار توجه طهران نحو بناء نظام دولي متعدد الأقطاب بعيداً عن الهيمنة الغربية.
ولم تغفل الصحيفة الصهيونية البعد الأمني للمراسم، إذ أشارت إلى أن ظهور كبار المسؤولين والقادة العسكريين في الفضاء العام، بعد أسابيع من التصعيد العسكري، حمل رسالة ثقة واستقرار، في مقابل الرهانات التي تحدثت عن اهتزاز بنية النظام أو فقدانه القدرة على إدارة المرحلة التالية.
كما توقفت الصحيفة عند حجم الحشود الشعبية، معتبرة أن المشهد منح القيادة الإيرانية فرصة لإظهار قدرتها على تعبئة ملايين المواطنين في لحظة بالغة الحساسية، خصوصاً بعد أشهر شهدت نقاشات غربية متكررة حول مستوى التأييد الشعبي للنظام. وبحسب القراءة الصهيونية، فإن هذا الحشد الجماهيري يمثل مؤشراً سياسياً لا يمكن تجاهله في أي تقدير لموازين القوى داخل إيران.
وفي البعد الإقليمي، رأت جيروزاليم بوست أن مراسم التشييع تحولت إلى منصة دبلوماسية جمعت ممثلين عن حلفاء إيران في المنطقة، الأمر الذي سمح لطهران بإظهار استمرار محور المقاومة، وتأكيد أن علاقاتها الإقليمية لم تتفكك رغم الحرب. واعتبرت أن هذا المشهد يحمل رسائل مباشرة إلى الولايات المتحدة والكيان الصهيوني مفادها أن الضغوط العسكرية والاقتصادية لم تؤد إلى تفكيك شبكة التحالفات الإيرانية.
وتذهب الصحيفة إلى أبعد من توصيف الحدث، إذ تطرح تساؤلات حول انعكاساته السياسية، معتبرة أن الزخم الذي ولدته مراسم التشييع قد يمنح صناع القرار في طهران هامشاً أوسع في التعامل مع الملفات الإقليمية والدولية، وربما يدفعهم إلى اتباع مواقف أكثر تشدداً في أي مفاوضات مقبلة مع الولايات المتحدة، انطلاقاً من شعور أكبر بالثقة بعد إظهار القدرة على الحشد الشعبي وإدارة مرحلة ما بعد الحرب.
وتكشف هذه القراءة، الصادرة عن صحيفة صهيونية معروفة بقربها من دوائر صنع القرار، أن دوائر المراقبة في تل أبيب لم تنظر إلى التشييع باعتباره مجرد مراسم دينية، بل باعتباره حدثاً سياسياً واستراتيجياً أعاد فتح النقاش حول قدرة الجمهورية الإسلامية على استعادة زمام المبادرة بعد الحرب، وعلى توظيف التماسك الداخلي لتعزيز موقعها في معادلات المنطقة.
وإذا كانت بعض وسائل الإعلام الغربية قد ركزت على البعد الرمزي للمشهد، فإن جيروزاليم بوست ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك، عندما اعتبرت أن ما جرى في طهران وقم لم يكن مجرد وداع لقائد، وإنما رسالة قوة متعددة الأبعاد، موجهة إلى الخصوم قبل الحلفاء، ومؤشراً على أن الجمهورية الإسلامية ما زالت تمتلك أدوات التعبئة السياسية والشعبية، وأن مرحلة ما بعد التشييع قد تحمل تحولات تتجاوز حدود إيران إلى مجمل المشهد الإقليمي.