المنطقة بين التصعيد العسكري وإعادة رسم خرائط النفوذ
مقالات
المنطقة بين التصعيد العسكري وإعادة رسم خرائط النفوذ

✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي

تشهد المنطقة واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، حيث تتسارع الأحداث السياسية والعسكرية بصورة غير مسبوقة، في ظل صراع مفتوح بين مشاريع الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية من جهة، ومحور الجهاد والمقاومة الرافض لتلك الهيمنة من جهة أخرى.

وبين هذين المسارين تتشكل ملامح مرحلة جديدة قد تعيد رسم موازين القوى الإقليمية والدولية.

ومن أبرز المحطات التي أعادت تشكيل المشهد الإقليمي، الاعتداء الأمريكي الذي استهدف مؤخرًا مواقع داخل إيران، في خطوة عُدّت تصعيدًا خطيرًا نقل مستوى المواجهة من الحرب غير المباشرة إلى الاحتكاك العسكري المباشر.

إلا أن الرد الإيراني جاء سريعًا ومدروسًا، مستهدفًا قواعد ومصالح عسكرية أمريكية في المنطقة، في رسالة واضحة مفادها أن أي اعتداء لن يمر دون رد، وأن معادلة الردع أصبحت تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل.

وفي فلسطين المحتلة، يواصل كيان الاحتلال حربه وحصاره على قطاع غزة، وسط عجز واضح عن تحقيق أهدافه المعلنة، رغم مرور أشهر طويلة من العدوان.

ورغم الدمار الهائل والحصار الخانق، ما زالت المعركة تفرض معادلات جديدة، وأثبتت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لحسم الصراع، في ظل صمود الشعب الفلسطيني واستمرار المواجهة.

أما على مستوى الجبهة اللبنانية، فإن حالة الردع المتبادل ما تزال قائمة، بينما يدرك الاحتلال أن أي مغامرة عسكرية واسعة ستفتح عليه جبهات متعددة يصعب احتواؤها، وهو ما يجعل قيادة الكيان تعيش حالة من التردد والارتباك بين التصعيد والتهدئة.

وفي اليمن، تتجه الأنظار نحو تطورات الملفين العسكري والسياسي، في ظل استمرار التأكيد على أن معركة إسناد غزة لم تتوقف، وأن القدرات العسكرية اليمنية أصبحت عاملًا مؤثراً في معادلات الأمن الإقليمي، سواء في البحر الأحمر أو بحر العرب أو عمق الكيان الإسرائيلي.

كما أن استمرار احرار اليمن في الوقفات المسلحة والتحذيرات الموجهة للسعودية وعملائها يعكس تمسك صنعاء بموقفها المعلن بأن أي تصعيد جديد سيقابل برد يتناسب مع حجمه.

في المقابل، تبدو امريكا أمام معادلة أكثر تعقيداً؛ فهي تسعى إلى حماية حليفها الإسرائيلي، لكنها في الوقت ذاته تحاول تجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة قد تستنزف قدراتها العسكرية والاقتصادية، خصوصًا مع تصاعد التحديات الدولية وتنامي المنافسة مع القوى الكبرى.

كما أن التحركات الدبلوماسية الأخيرة في المنطقة تشير إلى وجود سباق بين مسارين متوازيين:

الأول يدفع نحو احتواء التصعيد عبر الوساطات والاتصالات السياسية.

والثاني يستعد لمرحلة قد تشهد انفجارًا أوسع إذا فشلت الجهود السياسية أو أقدم الكيان اللقيط على خطوات أكثر خطورة.

اقتصاديًا، لا تزال تداعيات الحرب تلقي بظلالها على حركة الملاحة الدولية وأسواق الطاقة والتجارة العالمية، الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى إعادة حساباتها الأمنية والاقتصادية، بعد أن أثبتت التطورات أن أمن الممرات البحرية أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بمجريات الصراع في المنطقة.

إن المتابع للمشهد يدرك أن المنطقة لم تعد كما كانت قبل سنوات، فموازين الردع تغيرت، والقوى الصاعدة فرضت نفسها لاعبًا أساسيًا في معادلات الأمن والسياسة، بينما تراجعت قدرة امريكا على فرض إرادتها منفردة كما كان الحال في العقود الماضية.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على عدة احتمالات؛

فإما أن تنجح المساعي السياسية في تخفيف حدة التوتر.

وإما أن تشهد المنطقة جولة جديدة من المواجهات قد تكون أوسع وأكثر تأثيراً. خاصة إذا استمرت سياسات التصعيد ورفض الحلول العادلة.

لقد أثبتت الأحداث أن زمن الحروب السريعة قد انتهى،وأن أي مواجهة جديدة لن تكون محصورة في جبهة واحدة، لكن ستنعكس آثارها على المنطقة بأكملها، وربما تمتد إلى النظام الدولي نفسه، الأمر الذي يجعل الأيام القادمة حاسمة في تحديد مستقبل المنطقة واتجاهاتها السياسية والأمنية، بقوة الله تعالى.