بقلم: د. هناء سعادة
لم تعد اللغة السياسية في واشنطن، مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تقتصر على التعبير عن الخلافات بين الدول أو إدارة الصراعات عبر أدوات الضغط الدبلوماسي، وإنما اتجهت، في أكثر من مناسبة، إلى توظيف مفردات الإهانة والتجريح الجماعي، بما ينقل الصراع من مستوى الاختلاف السياسي إلى مستوى المساس بالشعوب نفسها. فعندما تصدر الأوصاف المهينة من رئيس الولايات المتحدة، فإنها لا تُقرأ بوصفها انفعالات شخصية أو تصريحات عابرة، وإنما باعتبارها خطابا رسميا يحمل دلالات سياسية وأخلاقية، ويؤثر في طبيعة العلاقات الدولية وفي صورة الدولة التي يصدر عنها.
وفي أحدث حلقات هذا التصعيد، أعلن ترامب، خلال افتتاح قمة حلف شمال الأطلسي، انهيار اتفاق وقف إطلاق النار ومذكرة التفاهم الموقعة مع إيران، قبل أن ينتقل إلى هجوم لفظي غير مسبوق، استخدم فيه أوصافا شديدة القسوة بحق الإيرانيين، مقدما خطابا يقوم على التعميم والإقصاء، ويضع شعبا كاملا داخل دائرة الاتهام والاستهداف.
فقد صعّد ترامب من لهجته بوصف الإيرانيين بأنهم "حثالة" و"أشرار" و"عنيفون"، كما وصفهم أيضا بأنهم "مرضى" و"كذابون" و"مخادعون"، معتبرا أن التعامل معهم أو اللجوء إلى الحلول الدبلوماسية معهم أصبح "مضيعة للوقت". ولم يعد الخطاب موجها إلى الخلاف مع الدولة الإيرانية أو سياساتها، وإنما اتسع ليشمل الإيرانيين بصورة عامة، في تعميم يطال شعبا يزيد تعداده اليوم على 91 مليون نسمة.
وتتضاعف خطورة هذه التصريحات لأنها لم تتوقف عند انتقاد القيادة الإيرانية أو مؤسسات الدولة، وإنما جاءت بصياغات واسعة شملت الإيرانيين بصورة عامة. وهنا تنتقل القضية من خلاف سياسي بين حكومتين إلى خطاب يطال عشرات الملايين من المدنيين الذين لا علاقة لهم بصناعة القرار السياسي، ليصبحوا جميعا موضوعا لوصم جماعي صادر عن رئيس دولة.
وقبل أيام قليلة من هذه التصريحات، كان ترامب قد أعلن أنه يفضل التوصل إلى اتفاق مع إيران لأنه "لا يريد الإضرار بأكثر من 91 مليون إيراني". ورغم أن العبارة قدمت حينها في إطار الحديث عن تفضيل الحل السياسي، فإنها وضعت شعبا بأكمله داخل معادلة التهديد، إذ بدا وكأن احتمال إلحاق الضرر بعشرات الملايين من البشر أصبح جزءا من أدوات الضغط السياسي. ثم جاءت تصريحاته اللاحقة، بما حملته من أوصاف مهينة، لتمنح تلك العبارة بعدا أكثر خطورة، بعدما انتقلت اللغة من التلويح بإمكان الإضرار إلى إطلاق أوصاف جماعية تمس كرامة شعب بأكمله.
ويكشف هذا المسار عن تناقض سياسي واضح. فمن جهة، تعلن الإدارة الأمريكية أنها تريد إبقاء باب المفاوضات مفتوحا مع طهران، وتؤكد حاجتها إلى اتفاق نهائي، ومن جهة أخرى، يعتمد رئيسها خطابا يقوم على الشتائم والتجريح والتوصيفات التي تقوض أي حد أدنى من الثقة اللازمة لإنجاح أي عملية تفاوضية. فالدبلوماسية لا يمكن أن تزدهر في بيئة تقوم على الإهانة، كما أن الاتفاقات المستقرة لا تُبنى في ظل خطاب يختزل شعبا كاملا في أوصاف ازدرائية.
كما أن تعميم أوصاف من قبيل "الحثالة" و"الأشرار" و"العنيفين" و"المرضى" و"المخادعين" على شعب كامل يتجاوز حدود النقد السياسي، لأنه لا يستهدف قرارا حكوميا أو سياسة رسمية، وإنما يطال ملايين البشر على أساس انتمائهم الوطني. وبين انتقاد الحكومات وتجريم الشعوب مسافة أخلاقية وسياسية شاسعة، وهي المسافة التي يفترض أن تحافظ عليها الخطابات الصادرة عن قادة الدول، حفاظا على الحد الأدنى من المسؤولية السياسية.
ومن الناحية العملية، لا تبدو مثل هذه اللغة قادرة على تحقيق الأهداف التي تعلنها واشنطن. فالخبرة الطويلة في العلاقات الدولية تظهر أن الضغوط اللفظية والإهانات الجماعية لا تؤدي إلى بناء الثقة، وإنما تدفع المجتمعات المستهدفة إلى مزيد من التماسك الداخلي، وتعزز حضور التيارات التي ترفض أي انفتاح على الطرف الذي يوجه إليها هذا النوع من الخطاب. وبهذا المعنى، فإن الشتائم السياسية لا تضيق مساحة الخلاف، وإنما توسعها، وتزيد من صعوبة الوصول إلى تفاهمات مستقرة.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية لأنها تأتي في مرحلة تشهد فيها المنطقة مستويات عالية من التوتر، بينما تواجه القوى الدولية تحديات أمنية واقتصادية متشابكة، الأمر الذي يجعل الخطاب المسؤول أكثر ضرورة من أي وقت مضى. فكل كلمة تصدر عن رئيس الولايات المتحدة تحمل أثرا يتجاوز حدود الداخل الأمريكي، وتمتد انعكاساتها إلى الاستقرار الإقليمي، وحسابات الدول، ومسارات التفاوض.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف يمكن لخطاب يصف شعبا يزيد تعداده على واحد وتسعين مليون إنسان بأنه "حثالة" و"أشرار" و"عنيفون"، أن يهيئ الأرضية لاتفاق سياسي أو لتفاهم دبلوماسي قابل للحياة؟ وكيف يمكن للدبلوماسية أن تؤدي دورها في ظل لغة تستبدل الحوار بالإهانة، والاحترام بالتجريح، والتفاوض بالتعميم العدائي؟
إن الخلافات السياسية، مهما بلغت حدتها، لا تمنح أي قائد حق الانتقال من انتقاد الحكومات إلى ازدراء الشعوب، ولا تبرر استخدام مفردات تمس الكرامة الإنسانية لملايين المدنيين. فالدول تتصارع، وتتنافس، وتختلف، لكن استهداف الشعوب بخطاب الكراهية يظل منزلقا خطيرا يقوض أسس الدبلوماسية، ويعمق الانقسامات، ويغذي مناخ العداء الدولي. وعندما تصبح الإهانة الجماعية جزءا من الخطاب الرسمي الصادر عن البيت الأبيض، فإن القضية لا تعود مرتبطة بإيران وحدها، وإنما تتحول إلى اختبار حقيقي لمستقبل الخطاب السياسي الدولي، وحدود المسؤولية التي يفترض أن تلتزم بها الدول، مهما بلغت خلافاتها وصراعاتها.