شُعْلَةُ الحَقِّ: المُوَاجَهَةُ لا الِانْهِزَامُ
مقالات
شُعْلَةُ الحَقِّ: المُوَاجَهَةُ لا الِانْهِزَامُ
موسى عباس
9 تموز 2026 , 23:17 م

كتب: موسى عبّاس

فِي مُفْتَرَقِ الطُّرُقِ الَّذِي تَمُرُّ بِهِ الأُمَّةُ اليَوْمَ، تَبْرُزُ الحَاجَةُ إِلَى إِعَادَةِ تَعْرِيفِ المَبَادِئِ الَّتِي تَحْكُمُ مَسَارَهَا. فَالصِّرَاعُ الدَّائِرُ لَيْسَ مُجَرَّدَ أَحْدَاثٍ عَابِرَةٍ، بَلْ هُوَ صِرَاعُ وُجُودٍ بَيْنَ حَقٍّ مُتَجَذِّرٍ فِي الأَرْضِ وَالعَدْلِ، وَبَيْنَ بَاطِلٍ يَسْتَقْوِي بِغَطْرَسَةِ القُوَّةِ الزَّائِفَةِ.

1. الوَاقِعُ بَيْنَ القُوَّةِ المَادِّيَّةِ وَإِرَادَةِ الصُّمُودِ:

الوَاقِعُ الرَّاهِنُ يَفْرِضُ نَظْرَةً فَاحِصَةً بِلَا أَوْهَامٍ. يُرَوِّجُ أَنْصَارُ الفِكْرِ الِانْهِزَامِيِّ لِفِكْرَةِ حَتْمِيَّةِ مَوَازِينِ القُوَى المَادِّيَّةِ،

وَيَسْتَخْدِمُونَ لُغَةَ الأَرْقَامِ وَالسِّلَاحِ وَالتِّكْنُولُوجِيَا لِزَرْعِ اليَأْسِ فِي النُّفُوسِ.

إِلَّا أَنَّ التَّجْرِبَةَ التَّارِيخِيَّةَ تُؤَكِّدُ أَنَّ الإِرَادَةَ الصُّلْبَةَ وَاليَقِينَ بِالحَقِّ هُمَا القُوَّةُ الحَقِيقِيَّةُ الَّتِي تَكْسِرُ غَطْرَسَةَ المُسْتَكْبِرِينَ. فَـ"الفِكْرُ الِاسْتِسْلَامِيُّ" لَيْسَ سِوَى قِنَاعٍ يَرْتَدِيهِ الخَوْفُ أَوِ التَّبَعِيَّةُ، وَأَخْطَرُ مِنْ عُدْوَانِ العَدُوِّ المُبَاشِرِ لِأَنَّهُ يَسْعَى إِلَى قَتْلِ الرُّوحِ مِنْ الدَّاخِلِ وَتَحْوِيلِ الأُمَّةِ إِلَى كِيَانٍ خَانِعٍ يَقْبَلُ بِالفُتَاتِ تَحْتَ شِعَارِ "الوَاقِعِيَّةِ".

وَالكَلَامُ هُنَا عَنِ السِّيَاسَةِ المُتَّبَعَةِ، لَا عَنْ مُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ وَالنَّاسِ فِيهَا، فَإِنَّ الشَّعْبَ هُوَ الحَاضِنُ الحَقِيقِيُّ لِكُلِّ فِعْلٍ مَقَاوِمٍ.

2. دَحْضُ مَنْطِقِ عَدَمِ التَّكَافُؤِ بِالوَقَائِعِ:

يَسْتَنِدُ الِانْهِزَامِيُّونَ إِلَى حُجَّةِ عَدَمِ تَكَافُؤِ القُوَى. وَالرَّدُّ أَنَّ التَّارِيخَ لَمْ يَكْتُبْهُ الأَقْوَى عَدَداً وَعُدَّةً، بَلْ كَتَبَهُ الأَكْثَرُ إِصْرَارًا عَلَى انْتِزَاعِ حُقُوقِهِ. تلك ليست شِعاراتْ جَوفاءْ ولا تَنْظيرْ مِن خلفِ المَكاتِبْ ، بَلْ هو واقِعْ أَثْبَتَتْهُ التَجارُب المَريرَةً التي عانَتْها الشُعوبْ عَلى مَرِّ التَاريخْ المُعاصِرْ .

مُقَاوَمَةُ الشَّعْبِ الجَزَائِرِيِّ طَرَدَتِ الِاسْتِعْمَارَ الفَرَنْسِيَّ رَغْمَ أَكْثَرَ مِنْ مِلْيُونٍ وَنِصْفِ مِلْيُونِ شَهِيدٍ وبَعْدَ أكْثَر من مِئَة وثلاثين عاماً من الإحتلال ، وَمُقَاوَمَةُ الشَّعْبِ الفِيتْنَامِيِّ قَارَعَتْ أَقْوَى قُوَّةٍ عَسْكَرِيَّةٍ فِي العَالَمِ حَتَّى حَصَدَتِ التَّحْرِيرَ. وَفِي لُبْنَانَ وَغَزَّةَ، فَرَضَتِ المُقَاوَمَةُ مُعَادَلَاتٍ جَدِيدَةً فِي 2000 وَ2006 وَبَعْدَهُمَا.

فِي المُقَابِلِ، لَمْ تَجْلِبِ اتِّفَاقِيَّاتُ الِاسْتِسْلَامِ إِلَّا المَزِيدَ مِنَ الِارْتِهَانِ. فَبَعْدَ أَوْسْلُو تَضَاعَفَ عَدَدُ المُسْتَوْطَنَاتِ عشَراتْ المَرَّات وَتَوَسَّعَ الِاحْتِلَالُ. وَالتَّطْبِيعُ لَمْ يَسْتَعِدْ أَرْضًا، بَلْ شَرْعَنَ الِاحْتِلَالَ وَفَتَحَ الأَبْوَابَ لِاخْتِرَاقِ الِاقْتِصَادِ وَالإِعْلَامِ وَالتَّعْلِيمِ.

فَالقَوْلُ بِأَنَّ الِاسْتِسْلَامَ يَحْمِي الأَرْوَاحَ وَهْمٌ. فَالِاسْتِسْلَامُ لَا يَمْنَحُ إِلَّا حَيَاةَ الذُّلِّ، وَالذُّلُّ مَوْتٌ بَطِيءٌ لِلْكَرَامَةِ يُمَهِّدُ لِاسْتِبَاحَةِ الأَرْضِ وَالعِرْضِ.

3. المُقَاوَمَةُ فَلْسَفَةُ حَيَاةٍ وَأَدَاةُ سِيَاسَةٍ:

المُقَاوَمَةُ لَيْسَتْ غَايَةً فِي ذَاتِهَا، بَلْ هِيَ فَلْسَفَةُ حَيَاةٍ وَأَدَاةٌ لِفَرْضِ شُرُوطِ السِّيَاسَةِ مِنْ مَوْقِعِ قُوَّةٍ. وَتَقُومُ عَلَى ثَلَاثِ رَكَائِزَ:

1. اليقين بالحق: الحَقُّ لَا يَمُوتُ مَا دَامَ وَرَاءَهُ مُطَالِبٌ، وَلَا يُسْتَرَدُّ إِلَّا بِالِانْتِزَاعِ.

2. *شَرَفُ التَّضْحِيَةِ: التَّضْحِيَاتُ الكَبِيرَةُ هِيَ ضَرِيبَةُ الحُرِّيَّةِ، وَالتَّارِيخُ يُخَلِّدُ مَنْ وَقَفُوا بِشُمُوخٍ فِي وَجْهِ العَوَاصِفِ.

3.الكَرَامَةُ كَمِعْيَارٍ : قِيمَةُ الحَيَاةِ لَيْسَتْ بِطُولِهَا، بَلْ بِعِزَّتِهَا. فَالعَيْشُ عَزِيزًا فِي الخَيْمَةِ أَكْرَمُ مِنْ العَيْشِ ذَلِيلًا فِي القَصْرِ.

4. الخِيَارُ الأَبَدِيُّ: عِزٌّ وْ كَرَامَةٌ:

المُعَادَلَةُ عِنْدَ الأَحْرَارِ لَا تَحْتَمِلُ اللَّبْسَ: إِمَّا حَيَاةٌ تَلِيقُ بِالإِنْسَانِ بِعِزَّتِهِ، أَوْ رَحِيلٌ بِشَرَفٍ. فَالمَوْتُ فِي سَبِيلِ الحَقِّ بَذْرَةُ وَعْيٍ تَنْبُتُ فِي الأَجْيَالِ القَادِمَةِ، بَيْنَمَا الِاسْتِسْلَامُ نِهَايَةٌ لِكُلِّ قِيمَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ.

وَتَبْقَى المُقَاوَمَةُ الطَّرِيقَ الوَحِيدَ لِاسْتِعَادَةِ التَّوَازُنِ، وَلِإِفْهَامِ البَاطِلِ أَنَّ الشُّعُوبَ الَّتِي تَمْلِكُ إِرَادَةَ الحَيَاةِ بِكَرَامَةٍ لَا تُقْهَرُ.

"الكَرَامَةُ لَيْسَتْ هِبَةً تُمْنَحُ، بَلْ حَقٌّ يُنْتَزَعُ. وَلَنْ يَتْرُكَ أَصْحَابُ الأَرْضِ أَرْضَهُمْ لِلْغُزَاةِ، وَلَنْ تَنْكَسِرَ إِرَادَةٌ تَغَذَّتْ عَلَى حُبِّ الحُرِّيَّةِ، مَهْمَا بَلَغَتِ التَّضْحِيَاتُ. فَالثَّمَنُ مَهْمَا غَلَا، يَبْقَى أَرْخَصَ بِكَثِيرٍ مِنْ ثَمَنِ الذُّلِّ."

في المُحَصِلة:

الوَعْيُ هُوَ السِّلَاحُ الأَوَّلُ، وَالعَمَلُ المُقَاوِمُ هُوَ الطَّرِيقُ الوَحِيدُ. لَنْ تَسْقُطَ الرَّايَةُ، وَلَنْ تَنْهَزِمَ إِرَادَةٌ تُؤْمِنُ بِأَنَّ الحَقَّ بَاقٍ، وَالبَاطِلَ إِلَى زَوَالٍ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ.