بورسعيد مصر.
العفو عن كثرة البيان، لأن الحقيقة كالغيث، لا يكفي البلاد بنقطة، بل يحتاج إلى سيول.
بسم الله الرحمن الرحيم
النصر في القرآن الحكيم ليس أمنية
حين نتحدث عن
"سنة النصر" فإن أول ما ينبغي أن نفعله هو أن نحرر مفهوم النصر من الصورة الضيقة التي حصره فيها الوعي البشري؛ فالنصر في القرآن ليس مجرد غلبة عسكرية، ولا انتصارًا سياسيًا، ولا كثرة في العدد والعدة، ولا علامة على أن الإنسان على الحق لمجرد أنه انتصر.
فقد ينتصر الإنسان في معركة ويخسر نفسه، وقد يهزم في معركة ويبقى ثابتًا على الحق، وقد يملك الأرض ويفقد العدل، وقد يخسر الأرض ويحفظ كرامته وإنسانيته.
ولهذا فإن النصر القرآني الحكيم أوسع من نتيجة معركة، وأعمق من لحظة تاريخية.
إنه ثمرة منظومة من السنن، تبدأ من
- الإنسان،
وتمر
- بالإيمان
- والعمل
- والصبر
- والأخذ بالأسباب
- والعدل
- والثبات،
ثم تتحول هذه المعاني كلها إلى واقع يغير حركة التاريخ.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس:
متى ينصر الله الإنسان؟
بل:
ما الذي يجعل الإنسان أهلًا للنصر؟
وهذا السؤال هو الذي يقودنا إلى جوهر السنة.
النصر لا يصنعه التمني
يقول الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60].
إنها آية تكشف جانبًا مهمًا من فلسفة النصر في القرآن: الإيمان لا يلغي الأسباب، والتوكل لا يعني تعطيل السنن.
فالله الذي وعد بالنصر هو نفسه الذي أمر بالإعداد.
والذي يثق بالله لا يجلس منتظرًا أن تتغير الحياة من حوله دون أن يغير شيئًا في نفسه وواقعه.
وهنا تظهر العلاقة العميقة بين سنة النصر وسنة الأخذ بالأسباب.
فالنصر لا يأتي إلى أمة تريد النتائج دون مقدماتها، ولا إلى مجتمع يريد القوة وهو يرفض العلم، ولا إلى إنسان يريد التمكين وهو لا يملك القدرة على حمل أمانته.
إن السنن الإلهية لا تجامل أحدًا.
فكما أن النار تحرق، والماء يروي، والأرض تعطي من يزرعها، فإن المجتمعات أيضًا تحصد ما تزرع.
ومن يزرع علمًا يحصد قوة.
ومن يزرع عدلًا يحصد تماسكًا.
ومن يزرع وعيًا يحصد قدرة على مواجهة الخطر.
ومن يزرع فسادًا لا ينبغي أن ينتظر نصرًا دائمًا لمجرد أنه يرفع شعارات الحق.
فالله لا يغير قوانين الحياة إرضاءً لأوهامنا، وإنما يدعونا إلى فهمها والعمل من خلالها.
الإيمان والعمل: جناحا النصر
يقول الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾
[النور: 55].
تأمل كيف ربط القرآن الحكيم بين الإيمان والعمل الصالح، وبين الاستخلاف والتمكين والأمن.
فالتمكين ليس هدية مجانية، وإنما نتيجة لمسار.
والنصر ليس جائزة تمنح للمتمنين، وإنما ثمرة لإنسان آمن فعمل، وعمل فأصلح، وأصلح فاستحق أن يحمل الأمانة.
وهنا ينبغي أن نتوقف أمام معنى "الإيمان" نفسه.
فالإيمان في القرآن ليس مجرد شعار يقال باللسان، وإنما حالة تنتقل من القلب إلى السلوك، ومن الاعتقاد إلى العمل، ومن الداخل إلى الواقع.
فإذا قال الإنسان إنه يؤمن بالعدل ثم ظلم، فأين أثر إيمانه؟
وإذا قال إنه يؤمن بالحرية ثم صادر عقول الناس، فأين أثر إيمانه؟
وإذا قال إنه يؤمن بالله ثم استعبد الإنسان باسم الله، فأي نصر هذا الذي يطلبه؟
إن النصر الحقيقي يبدأ عندما يصبح الإيمان قوة أخلاقية وعقلية وحضارية، لا مجرد هوية يرفعها الإنسان في وجه الآخرين.
النصر لا يعني أن الحق دائمًا ينتصر في اللحظة
وهنا نحتاج إلى تحرير مفهوم آخر.
قد يظن بعض الناس أن النصر يعني أن ينتصر أصحاب الحق دائمًا في حياتهم الدنيا، وأن الهزيمة دليل على الباطل.
لكن القرآن الحكيم لا يقدم لنا هذا التصور الساذج.
فالأنبياء أنفسهم واجهوا التكذيب، والحصار، والأذى، والطرد، والقتل في بعض الأمم.
فهل كانت رسالاتهم باطلة لأن أصحابها تعرضوا للهزيمة في لحظة من اللحظات؟
كلا.
إن النصر قد يكون في الثبات حين ينهار الآخرون، وقد يكون في حفظ الحقيقة حين تنتشر الأكاذيب، وقد يكون في إنقاذ إنسان واحد من الضلال، وقد يكون في أن يموت الإنسان واقفًا على الحق بدل أن يعيش راكعًا للباطل.
ومن هنا فإن النصر في القرآن له مستويات متعددة.
- هناك نصر في الواقع.
- وهناك نصر في النفس.
- وهناك نصر في الوعي.
- وهناك نصر في التاريخ.
- وهناك نصر أخروي لا يخضع لموازين القوة الدنيوية.
ولهذا لا ينبغي أن نقيس الحق دائمًا بسرعة انتصاره.
فبعض البذور تحتاج إلى زمن طويل حتى تصبح شجرة.
- النصر والهزيمة: كلاهما امتحان
كما أن الهزيمة ليست دائمًا دليلًا على أن الإنسان على الباطل، فإن النصر ليس دائمًا دليلًا على أنه على الحق.
قد يكون النصر امتحانًا أشد من الهزيمة.
فالإنسان
- حين يهزم يعرف حاجته إلى الله،
- أما حين ينتصر فقد ينسى الله.
- وحين يكون ضعيفًا قد يتواضع،
- فإذا قوي استكبر.
- وحين لا يملك شيئًا قد يكون رحيمًا،
- فإذا امتلك السلطة أصبح ظالمًا.
ولهذا كان السؤال الأخطر بعد النصر:
ماذا ستفعل حين تصبح قادرًا؟
إن النصر يكشف حقيقة الإنسان كما تكشف المرآة وجهه.
- فإذا كان عادلًا زاده النصر عدلًا.
- وإذا كان رحيمًا زاده رحمة.
- وإذا كان متواضعًا زاده تواضعًا.
أما إذا كان مريض النفس، فإن النصر قد يمنحه الوسيلة التي كان ينتظرها لإظهار مرضه.
وهنا تتصل سنة النصر بسنة الهلاك الحضاري.
فقد يبدأ الهلاك من اللحظة التي يتحول فيها النصر إلى غرور.
- النصر يحتاج إلى الصبر
يقول الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[آل عمران: 200].
إن القرآن الحكيم لا يقدم النصر باعتباره لحظة سحرية، وإنما يربطه بالنفس الطويل.
فالحضارات لا تبنى في يوم، والوعي لا يولد في ليلة، والإصلاح لا يثمر بمجرد الرغبة.
إن أعظم معارك الإنسان قد تكون مع الزمن.
- أن يستمر حين يتعب الآخرون.
- أن يبقى أمينًا حين يصبح الخداع أسهل.
- أن يظل عادلًا حين يصبح الظلم أكثر ربحًا.
- أن يحافظ على إنسانيته حين يتحول العالم إلى صراع مصالح.
وهنا يصبح الصبر ليس مجرد تحمل للألم، وإنما قدرة على الاستمرار في الطريق الصحيح رغم بطء النتائج.
- فكم من مشروع مات لأنه استعجل الثمرة.
- وكم من إنسان ترك طريق الحق لأنه لم ير النصر سريعًا.
والقرآن الحكيم يعلمنا أن بعض الانتصارات تحتاج إلى صبر طويل، لأن السنن تعمل في صمت، كما تعمل جذور الشجرة في باطن الأرض قبل أن يراها أحد.
- لماذا يتأخر النصر؟
قد يتساءل الإنسان: إذا كان الحق حقًا، فلماذا يتأخر النصر؟
والجواب أن هذا السؤال نفسه يحتاج إلى إعادة نظر.
فالله لا ينظر إلى النتيجة وحدها، وإنما إلى الإنسان الذي يصنعها.
- وقد يتأخر النصر لأن الإنسان لم ينضج بعد لحمل تبعاته.
- وقد يتأخر لأن الأمة لم تستوف أسباب القوة.
- وقد يتأخر لأن المجتمع لا يزال يحتاج إلى تجربة تكشف له أخطاءه.
- وقد يتأخر لأن النصر السريع قد يكون أكثر ضررًا من الهزيمة المؤقتة.
إننا أحيانًا
- نطلب النصر، بينما نحن غير مستعدين له.
- نطلب التمكين، ونحن لم نتعلم كيف نستخدم القوة.
- نطلب السلطة، ونحن لم نتعلم كيف نمارس العدل.
- نطلب قيادة الناس، ونحن لم نتعلم كيف نقود أنفسنا.
ولذلك فإن التأخر ليس دائمًا حرمانًا.
- قد يكون إعدادًا.
- وقد يكون تربية.
- وقد يكون كشفًا.
- وقد يكون حماية من نصر لم نكن نملك الحكمة لحمله.
- سنة النصر لا تعرف العصبية
وهنا ينبغي أن نكون حذرين من تحويل سنة النصر إلى أداة للتعصب.
فالله تعالى لا ينصر الإنسان لأنه ينتمي إلى جماعة معينة، وإنما السنن لا تحابي أحدًا.
والقرآن الحكيم نفسه يقرر أن التداول بين الناس سنة، وأن الأمم تتغير وتتبدل.
فإذا أخذ قوم بأسباب القوة والعدل والعلم والعمل، كان لهم من نتائجها بقدر ما أخذوا بها، وإذا تركوا هذه الأسباب، فلا تنفعهم كثرة الشعارات.
ولهذا فإن النصر ليس ملكًا لأمة بعينها، ولا امتيازًا عرقيًا أو طائفيًا.
إنه سنة.
ومن فهم السنن أحسن التعامل مع التاريخ.
ومن جهل السنن عاش أسير الأماني.
- النصر الأكبر
لكن يبقى هناك نصر أعظم من كل انتصار خارجي.
إنه
- أن ينتصر الإنسان على خوفه.
- أن ينتصر على جهله.
- أن ينتصر على غروره.
- أن ينتصر على عبوديته للناس.
- أن يتحرر من عبادة المال والسلطة والشهوة والموروث حين يتحول الموروث إلى قيد على العقل.
- أن يصبح قادرًا على قول الحق ولو خسر مصلحة.
- وقادرًا على الاعتراف بالخطأ ولو خسر صورة صنعها عن نفسه.
- وقادرًا على اتباع الحق ولو جاءه من خصمه.
ذلك هو النصر الذي يبدأ من الداخل.
فإذا انتصر الإنسان على نفسه، أصبح مؤهلًا لأن يحمل القوة دون أن تفسده.
وإذا لم ينتصر على نفسه، فقد يتحول انتصاره على الآخرين إلى بداية هزيمته الحقيقية.
- وفي الختام
حين يصبح النصر مسؤولية
إن سنة النصر في القرآن الحكيم ليست وعدًا بالانتصار لمن يتمنى، وإنما دعوة إلى بناء الإنسان الذي يستحق النصر ويحسن حمله.
- فالنصر يحتاج إلى إيمان، - ولكن الإيمان يحتاج إلى عمل.
- ويحتاج إلى عمل، والعمل يحتاج إلى علم.
- ويحتاج إلى علم، والعلم يحتاج إلى عقل حر.
- ويحتاج إلى قوة، والقوة تحتاج إلى أخلاق.
- ويحتاج إلى تمكين، والتمكين يحتاج إلى عدل.
- ويحتاج إلى صبر، والصبر يحتاج إلى يقين.
وهكذا تتصل السنن بعضها ببعض.
- فالأخذ بالأسباب يفتح الطريق.
- والصبر يحفظ المسير.
- والعدل يحفظ القوة.
- والتقوى تحمي التمكين من أن يتحول إلى طغيان.
- والوعي يمنع النصر من أن يتحول إلى غرور.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس:
متى ننتصر؟
بل:
- هل أصبحنا أهلًا للنصر؟
- وهل إذا جاءنا النصر سنكون قادرين على أن نجعله طريقًا إلى العدل، لا بابًا إلى الظلم؟
- هل سنستخدم القوة لحماية الإنسان، أم لإذلاله؟
- هل سنجعل التمكين وسيلة للعمران، أم ذريعة للاستعلاء؟
- هل سننظر إلى النصر باعتباره مسؤولية، أم باعتباره تفويضًا مفتوحًا لفعل ما نشاء؟
إن أعظم انتصار ليس أن تسقط خصمك،
- وإنما أن ترتفع أنت دون أن تدوسه.
وليس أن تمتلك القوة،
- وإنما أن تمتلك نفسك حين تصبح قويًا.
وليس أن يخافك الناس،
- وإنما أن يأمنوا جانبك.
وليس أن تنتصر على الإنسان، - وإنما أن تنتصر للإنسان.
وهنا نصل إلى جوهر سنة النصر:
إن الله لا يريد للإنسان نصرًا يفسده، ولا تمكينًا يهلكه، ولا قوة تنزع منه إنسانيته.
فالنصر الحقيقي
- هو أن ينتصر الحق دون أن يتحول أهله إلى طغاة،
- وأن ينتصر العدل دون أن يتحول أصحابه إلى مستبدين،
- وأن تنتصر القوة دون أن تفقد الرحمة،
- وأن يتحقق التمكين دون أن تضيع الأمانة.
وعندها فقط يصبح النصر بدايةً للعمران، لا مقدمةً للهلاك.
فالنصر ليس نهاية الطريق... بل امتحان الطريق.
وقد يكون أعظم ما في النصر أنه يكشف لنا سؤالًا أعمق من سؤال الغلبة:
- حين يمنحك الله القدرة على أن تفعل ما تشاء... هل ستفعل ما تشاء، أم ستفعل ما ينبغي؟
- هنا تبدأ حقيقة النصر.
- وهنا يُعرف الإنسان.
- وهنا يُعرف إن كان التمكين قد رفعه إلى مقام الأمانة، أم أسقطه في هاوية الغرور.
والله تعالى من وراء القصد، وهو يهدي السبيل؛ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.