إنجاز علمي يكشف عمليات تشكل القشرة الأرضية
دراسات و أبحاث
إنجاز علمي يكشف عمليات تشكل القشرة الأرضية
10 تموز 2026 , 17:57 م

حقق باحثون من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) إنجازا علميا غير مسبوق، بعدما تمكنوا لأول مرة من رصد تشكل القشرة الأرضية في أعماق المحيطات أثناء حدوثه، وهي عملية جيولوجية بقيت بعيدة عن المراقبة المباشرة لآلاف السنين.

وقاد الدراسة عالم الجيوفيزياء جان إيف رواييه (Jean-Yves Royer)، الذي أوضح أن الفريق لم يكن يهدف في البداية إلى توثيق عملية تشكل القشرة بالكامل، بل إلى قياس التمدد التدريجي للحيد المحيطي الذي تتراكم فيه الضغوط قبل وقوع الأحداث الجيولوجية الكبرى.

كيف تتشكل القشرة الأرضية في قاع المحيط؟

تمتد سلاسل الحيود وسط المحيطات لآلاف الكيلومترات، وهي المناطق التي تلتقي عندها الصفائح التكتونية للأرض.

وفي هذه المناطق، ترتفع الصهارة (الماغما) من باطن الأرض عبر الشقوق الموجودة في قاع المحيط، ثم تبرد وتتصلب لتكوّن قشرة أرضية جديدة باستمرار.

ولأن هذه العمليات تحدث على أعماق كبيرة يصعب على الإنسان الوصول إليها، اعتمد الباحثون على أجهزة مراقبة متطورة لرصدها.

مرصد علمي في جنوب المحيط الهندي

أنشأ الباحثون في فبراير 2024 مرصدا علميا يحمل اسم OHA-GEODAMS بالقرب من جزيرة أمستردام الواقعة على امتداد الحيد الجنوبي الشرقي للمحيط الهندي، بين أستراليا والقارة القطبية الجنوبية.

وجرى التخطيط لهذا المشروع لسنوات بهدف التقاط الحركات الصغيرة التي تسبق الأحداث الجيولوجية الكبرى.

وكان العلماء يبحثون عن ما يعرف باسم الأحداث الكمية (Quantum Events)، وهي تحركات جيولوجية قصيرة ومحددة تحدث بين فترات انتشار قاع البحر، مقارنة بالاندفاعات الكبيرة والعنيفة التي تنتج بعد تراكم الضغوط التكتونية لعقود طويلة.

شبكة أجهزة رصد لمراقبة أدق التحركات

تكونت منظومة الرصد من خمسة مجسات صوتية مائية مستقلة (Hydrophones) وُزعت بحيث تغطي كامل الهضبة البركانية سان بول – أمستردام، لضمان عدم فقدان أي نشاط جيولوجي.

وبعد أشهر من المراقبة، سجلت الأجهزة حدثا جيولوجيًا كبيرا وغير مسبوق.

اندفاع هائل للصهارة خلال ساعتين

بحسب الباحثين، تعرض محور الحيد المحيطي خلال آخر 16 يوما من شهر أبريل 2024 لانهيار سمح باندفاع كميات ضخمة من الصهارة داخل القشرة المحيطية.

وخلال نحو ساعتين فقط، اخترقت القشرة الأرضية شقوق صخرية مملوءة بالصهارة، تُعرف باسم الدايكات (Dikes)، بحجم يُقدر بنحو 150 مليون متر مكعب.

ومع تمدد هذه الشقوق، شهدت المنطقة سلسلة من الزلازل، كما أعادت تنشيط صدوع جيولوجية ظلت خاملة لفترات طويلة، ما أدى إلى استنزاف خزان الصهارة الموجود أسفل الحيد المحيطي.

انهيار سريع لقاع البحر

مع وصول الصهارة إلى قاع المحيط، بدأت الحمم البركانية بالتدفق فوق القاع، بينما استمر خزان الصهارة في التفريغ، وهو ما تسبب في انهيار سريع لقاع البحر.

وأظهرت القياسات أن أرضية الوادي المحيطي هبطت بنحو 4.2 أمتار، لتنخفض أسفل الصدوع المحيطة بها.

ويكمن تميز هذا الحدث في أن العلماء تمكنوا من قياس تطوراته كل ساعة تقريبًا أثناء وقوعه، وهو أمر لم يحدث من قبل.

انتشار قاع البحر يحدث على شكل اندفاعات مفاجئة

تشير التقديرات إلى أن قاع المحيط يتمدد عادة بمعدل يقارب 6.3 سنتيمترات سنويا إذا افترضنا أن الحركة مستمرة.

لكن أثناء الحدث الذي رصده العلماء، انفصل الحيد المحيطي بمعدل 5 سنتيمترات كل دقيقة، أي بسرعة تزيد بنحو 500 ألف مرة على متوسط معدل الانتشار طويل الأمد.

وتشير هذه النتائج إلى أن انتشار قاع المحيط لا يحدث بصورة تدريجية ومستمرة، وإنما عبر اندفاعات كبيرة وسريعة تفصل بينها فترات طويلة من تراكم الضغوط.

معظم الحركة حدثت دون زلازل قوية

رغم تسجيل عدد من الزلازل خلال الحدث، أظهرت البيانات أن الجزء الأكبر من الحركة الجيولوجية وقع بطريقة غير زلزالية (Aseismic)، أي دون توليد موجات زلزالية قوية.

ويساعد هذا الاكتشاف في تفسير الفجوة التي لاحظها العلماء سابقًا بين مقدار حركة الصدوع الفعلية وبين ما كانت تشير إليه سجلات الزلازل فقط.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج ستفتح آفاقا جديدة أمام علماء الجيوفيزياء البحرية لفهم آليات تشكل القشرة الأرضية وحركة الصفائح التكتونية بدقة أكبر.

المصدر: مجلة nature