✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي؛
لم تكن الحشود الجماهيرية التي خرجت في ميادين اليمن، إحياءً لذكرى استشهاد الإمام زيد بن علي عليه السلام، مجرد فعالية سنوية تستحضر سيرة إمامٍ ثائر، إنما كانت إعلانًا شعبيًا واضحًا بأن مدرسة الإمام زيد ما زالت حاضرة في وجدان اليمنيين، وأنها تتحول اليوم إلى موقف عملي في مواجهة العدوان والحصار والهيمنة.
لقد جاء إحياء هذه الذكرى في ظرف بالغ الحساسية، والمنطقة تشهد تحولات متسارعة، بينما يواصل الشعب اليمني معركته لانتزاع حقوقه المشروعة، وفي مقدمتها إنهاء الحصار المفروض على المطارات والموانئ، باعتباره عقابًا جماعيًا يخالف كل القوانين والأعراف الإنسانية.
وفي هذا السياق، حملت كلمة القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء، العلامة محمد مفتاح، رسائل سياسية حاسمة، حين أكد أن قرار كسر الحصار قد اتُّخذ ولا رجعة عنه، وأن الحشود المليونية في مختلف الساحات جاءت لتؤكد أن هذا القرار يمثل إرادة شعب بأكمله، لا موقف قيادة فحسب.
كما شدد على أن الشعب اليمني مصمم على استعادة حقوقه مهما كانت التضحيات، وأن استمرار الحصار لن يمر دون ثمن، محذرًا من أن أي حماقة يرتكبها النظام السعودي أو من يقف وراءه باستهداف المطارات أو انتهاك الأجواء اليمنية ستُقابل برد مكلف يعيد رسم قواعد الاشتباك.
على نفس السياق جاء، البيان الصادر عن المسيرات الجماهيرية للشعب اليمني،
ليترجم هذا الموقف الشعبي إلى برنامج سياسي واضح، بإعلانه التأييد الكامل لبيان القوات المسلحة واعتباره حقًا مشروعًا وانتصارًا لمظلومية الشعب اليمني، مع التأكيد على أن استمرار الحصار لم يعد أمرًا يمكن القبول به، وأن أي عدوان أو خرق للأجواء اليمنية سيواجه برد حازم يحفظ سيادة الوطن وكرامة أبنائه.
ولم يقتصر البيان على الشأن اليمني، لكنه وسّع دائرة الموقف ليشمل القضايا الإقليمية، معلنًا التضامن مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ورفض الانتهاكات الأمريكية، والإشادة بوحدة الشعب الإيراني ومشاركته المليونية في التشييع التاريخي للشهيد السيد الخامنئي، في رسالة تؤكد أن الشعوب الحرة ترى في وحدة الموقف والصمود عنصرًا أساسيًا في مواجهة مشاريع الهيمنة.
كما أعاد البيان التأكيد على معادلة وحدة الساحات، باعتبارها خيارًا استراتيجيًا يجمع قوى المقاومة في فلسطين ولبنان وإيران والعراق واليمن، ويعكس قناعة راسخة بأن التحديات المشتركة تتطلب تنسيقًا وتعاونًا في مواجهة أي تصعيد يستهدف شعوب المنطقة أو قضاياها المصيرية.
وفي الداخل، شددت الجماهير على أهمية استمرار النفير العام والتعبئة الشعبية، وتوسيع برامج الإعداد والتأهيل، وتعزيز التلاحم الوطني، باعتبار أن معركة التحرر لا تُخاض بالسلاح وحده، لكن بالإرادة والوعي والتماسك الشعبي، وهو ما يجسد جوهر المدرسة الزيدية التي قامت على رفض الظلم ومقاومة الاستبداد والانتصار للحق.
ولعل أكثر ما يميز هذه المناسبة أنها أعادت الربط بين الماضي والحاضر؛ فالإمام زيد عليه السلام لم يكن صاحب ثورة من أجل سلطة، وإنما خرج دفاعًا عن الحق والعدل وكرامة الأمة، وهي المبادئ نفسها التي يؤكد اليمنيون اليوم تمسكهم بها في مواجهة الحصار والعدوان والاحتلال، وفي دعمهم للقضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية للأمة.
إن الرسالة التي خرجت بها ميادين اليمن اليوم كانت واضحة: لا تراجع عن خيار الحرية والسيادة، ولا قبول باستمرار الحصار، ولا مساومة على الحقوق الوطنية.
فكما كان الإمام زيد عنوانًا للثورة في وجه الطغيان، يعلن اليمنيون اليوم أن طريق العزة لايُرسم بالإذعان،إنما بالصبر والتوحد والثبات والاستعداد لتحمل التضحيات حتى تُنتزع الحقوق كاملة، ويُصان الوطن، وتبقى راية الكرامة مرفوعة مهما اشتدت التحديات، والله خير حافظ ومعين وناصر.