د . مهدي مبارك عبد الله
حين تتراجع سيادة القانون أمام سطوة المال وتتقدم المصالح على المبادئ يتحول المنفى من فضاء للحرية إلى امتداد جديد لقبضة الأنظمة الاستبدادية .
لم تكن بريطانيا في الوعي السياسي العالمي مجرد دولة أوروبية عريقة أو قوة استعمارية سابقة بل كانت لعقود طويلة تمثل في المخيال السياسي ملاذا آمنا لكل من ضاقت به أوطان الاستبداد ومقصدا للمعارضين السياسيين والصحفيين والكتاب والناشطين الذين وجدوا في لندن مساحة للتعبير وحماية قانونية يصعب المساس بها حتى أطلق عليها يوما لقب عاصمة المنفيين السياسيين ولم يكن ذلك الوصف مبالغة بقدر ما كان انعكاسا لمكانة صنعتها منظومة قانونية راسخة ومؤسسات قضائية مستقلة واحترام معلن للحريات العامة .
هذه الصورة التي ترسخت عبر عقود بدأت تتعرض لتآكل متسارع بفعل ظاهرة جديدة أخذت تتوسع بصمت وهي ما يعرف بالقمع العابر للحدود حيث لم تعد الأنظمة السلطوية تكتفي بإسكات خصومها داخل حدودها الوطنية بل أصبحت تنقل أدواتها الأمنية والاستخباراتية إلى الخارج مستفيدة من الثورة الرقمية وشبكات النفوذ الاقتصادي والعلاقات السياسية لتجعل من المنافي امتدادا طبيعيا لمجالها الأمني ومن العواصم الغربية ساحات جديدة لملاحقة خصومها .
لعل المفارقة الأكثر إثارة أن بريطانيا التي قدمت نفسها دائما باعتبارها حامية لحقوق الإنسان أصبحت اليوم تواجه اتهاما معاكسا يتمثل في تحولها إلى البيئة الأكثر ملاءمة لاختراقات الأنظمة الاستبدادية ليس بسبب ضعف مؤسساتها وإنما بسبب ترددها في تحويل القوة القانونية التي تمتلكها إلى إرادة سياسية حقيقية عندما تتقاطع حماية الضحايا مع حسابات المال والاستثمار والتحالفات الدولية .
عمليا المشكلة لم تعد تقتصر على حوادث اغتيال أو محاولات اعتداء متفرقة بل أصبحت تعكس تحولا بنيويا في طبيعة الصراع بين الدولة الوطنية والسلطة العابرة للحدود فالأنظمة الاستبدادية أدركت أن المنفى لم يعد نهاية المطاردة بل يمكن تحويله إلى مسرح جديد للردع النفسي والسياسي ولذلك طورت أدواتها من الرصاص إلى البرمجيات ومن السجون إلى الفضاء الرقمي ومن الاعتقال المباشر إلى الإرهاب النفسي والاقتصادي والاجتماعي ,
الهواتف الذكية أصبحت بالنسبة لكثير من المعارضين أخطر من الزنازين بعد أن تحولت إلى منصات للتجسس واختراق الخصوصية وجمع المعلومات ورسم خرائط العلاقات الشخصية والسياسية وأصبح الاختراق الإلكتروني جزءا من العقيدة الأمنية الحديثة لدى كثير من الأنظمة التي لم تعد تحتاج إلى إرسال فرق اغتيال في كل مرة بل يكفيها أن تعرف أين يتحرك المعارض ومن يلتقي وماذا يكتب ومن يتواصل معه حتى يتحول إلى هدف مكشوف في أي لحظة
في الوقت نفسه لم تتخل هذه الأنظمة عن أدواتها التقليدية فقد شهدت بريطانيا خلال السنوات الأخيرة سلسلة من محاولات الاغتيال والاعتداءات الجسدية والتهديدات المباشرة التي استهدفت صحفيين ومعارضين وناشطين سياسيين من جنسيات متعددة الأمر الذي أكد أن يد الدولة السلطوية لم تعد تقف عند حدودها الجغرافية بل أصبحت تمتد إلى قلب العاصمة البريطانية نفسها دون خشية كبيرة من ردع حقيقي مؤثر .
الأخطر من الاغتيال الجسدي هو الاغتيال البطيء الذي تمارسه تلك الأنظمة عبر استهداف العائلات في الوطن الأم ومصادرة الممتلكات وحرمان الأقارب من الوظائف أو اعتقالهم أو التضييق عليهم اقتصاديا بحيث يصبح المعارض أمام معادلة قاسية إما أن يصمت وإما أن يدفع أحباؤه الثمن نيابة عنه وهكذا يتحول المنفى إلى سجن مفتوح لا تقيده الجغرافيا وإنما تقيده مشاعر الذنب والخوف على الأسرة .
هذه الاستراتيجية لم يكن لها أن تحقق نجاحا لولا وجود بيئة سياسية تسمح لها بالتمدد وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية هل فشلت بريطانيا أمنيا أم أنها اختارت سياسيا إدارة المشكلة بدلا من حسمها .
اللافت أن القراءة المتأنية تكشف أن المسألة تتجاوز حدود الكفاءة الأمنية لأن بريطانيا تمتلك واحدة من أكثر الأجهزة الاستخباراتية تطورا في العالم كما أنها أقرت تشريعات حديثة لمواجهة التدخلات الأجنبية والتجسس لكنها في المقابل تبدو أقل استعدادا لتطبيق تلك الأدوات عندما يتعلق الأمر بدول ترتبط معها بمصالح استراتيجية أو اقتصادية كبرى .
في لندن تتقاطع الأموال السيادية مع أسواق العقارات وتتشابك صفقات السلاح مع الحسابات الجيوسياسية وتعمل شركات العلاقات العامة والمحاماة على تحسين صورة حكومات متهمة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بينما تتحول الجامعات ومراكز الدراسات وبيوت المال إلى فضاءات تستقبل نفوذا متزايدا قادما من تلك الدول وهو ما يجعل أي مواجهة حقيقية معها ذات كلفة سياسية واقتصادية لا تبدو الحكومات البريطانية مستعدة لدفعها .
من هنا يمكن فهم التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة فكلما تعرض معارض للتهديد سارعت لندن إلى إصدار بيانات تؤكد رفضها لأي تدخل أجنبي على أراضيها لكن هذه اللغة الصارمة غالبا ما تتوقف عند حدود التصريحات بينما يبقى الضحايا وحدهم أمام نصائح أمنية تطلب منهم تغيير مساكنهم أو سياراتهم أو تقليل تحركاتهم أو تركيب كاميرات مراقبة وكأن الدولة تعترف ضمنا بعجزها عن منع الخطر فتطلب من الضحية أن يتكيف معه .
ربما هذه المقاربة لا توفر حماية بقدر ما تؤسس لثقافة جديدة يمكن تسميتها بتطبيع الخوف حيث يصبح المطلوب من المعارض أن يعيد تنظيم حياته وفق احتمالات المطاردة لا وفق حقوقه القانونية في الأمن والحرية وبذلك تحقق الأنظمة الاستبدادية أهم أهدافها دون إطلاق رصاصة واحدة إذ يكفي أن يعيش خصومها في خوف دائم حتى تفقد المعارضة جزءا كبيرا من فعاليتها .
كما ان هذه الظاهرة لا تبدو معزولة عن التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي فالعالم يدخل مرحلة تتراجع فيها الأولوية الأخلاقية أمام ضرورات المنافسة الاقتصادية والصراع الجيوسياسي ومع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى أصبحت الديمقراطيات الغربية أكثر استعدادا لغض الطرف عن كثير من الانتهاكات إذا كانت صادرة عن شركاء يملكون المال أو الطاقة أو الأسواق أو النفوذ الإقليمي .
المفارقة الكبرى ان الدول التي طالما انتقدت الأنظمة السلطوية بسبب قمعها الداخلي أصبحت تتسامح مع امتداد ذلك القمع إلى أراضيها متى كان ثمن المواجهة مرتفعا وهو ما يمنح الأنظمة الاستبدادية شعورا متزايدا بالإفلات من العقاب ويشجعها على توسيع عملياتها خارج الحدود بثقة أكبر .
لقد عرفت لندن في تسعينيات القرن الماضي بلقب لندنستان حين تحولت إلى ملاذ واسع للمعارضين العرب والإسلاميين وكانت الدولة البريطانية ترى آنذاك أن احتضان المعارضين ينسجم مع قيمها الديمقراطية ولا يشكل تهديدا مباشرا لها أما اليوم فإن الصورة انقلبت بصورة لافتة فلم تعد لندن فقط ملاذا للمعارضين بل أصبحت أيضا ساحة تتقاطع فيها أجهزة الاستخبارات الأجنبية وشبكات النفوذ المالي وأدوات الضغط السياسي والإعلامي وهو تحول يعكس تغيرا عميقا في طبيعة النظام الدولي أكثر مما يعكس تغيرا في السياسة البريطانية وحدها
الحقيقة الصارخة أن القضية لم تعد تتعلق بحقوق أفراد أو سلامة معارضين فحسب بل تمس جوهر السيادة البريطانية نفسها فإذا كانت دولة أجنبية تستطيع ملاحقة معارضيها داخل الأراضي البريطانية وتهديدهم أو ابتزازهم أو التجسس عليهم فإن السؤال لم يعد يتعلق بحقوق الإنسان فقط وإنما بقدرة الدولة البريطانية على احتكار السلطة الأمنية داخل حدودها وهو أحد أهم أركان الدولة الحديثة منذ معاهدة وستفاليا وحتى اليوم .
يبدو إن أخطر ما تكشفه هذه الظاهرة ليس جرأة الأنظمة السلطوية بل هشاشة التوازن الذي تقيمه الديمقراطيات الغربية بين المبادئ والمصالح فعندما يصبح المال قادرا على تخفيف حدة المواقف السياسية وعندما تتحول الاستثمارات إلى مظلة غير معلنة للحصانة الدبلوماسية فإن الحديث عن سيادة القانون يفقد كثيرا من بريقه الأخلاقي .
السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس لماذا تطارد الأنظمة الاستبدادية معارضيها في بريطانيا فهذا جزء من طبيعتها السياسية وإنما لماذا أصبحت بريطانيا تسمح بأن تتحول أراضيها إلى امتداد جغرافي لسلطات أجنبية تمارس نفوذها الأمني خارج حدودها .
اما الإجابة عن هذا السؤال سترسم ملامح المرحلة المقبلة فإذا استمرت لندن في الاكتفاء بإدارة الأزمة لا بمعالجتها فإنها لن تخسر فقط ثقة المنفيين السياسيين بل ستخسر أيضا أحد أهم عناصر قوتها الناعمة وهو صورتها التاريخية باعتبارها ملاذا للحرية وسيادة القانون أما إذا قررت أن تجعل حماية من يعيش على أرضها جزءا من هيبتها الوطنية فإنها لن تدافع عن المعارضين وحدهم بل ستدافع عن سيادتها ذاتها وعن الفكرة التي بنت عليها مكانتها في العالم منذ قرون وهي أن القانون لا يعرف استثناءات وأن الحرية لا تباع في أسواق المال مهما ارتفع ثمنها.
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية