بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في وقت مبكر، إعادة تعبئة قاعدته الانتخابية استعدادًا للانتخابات النصفية المقررة بعد شهرين، مدركًا أن الاستحقاق المقبل لن يكون مجرد منافسة على المقاعد، بل استفتاءً على حصيلة إدارته في ملفات السياسة الخارجية، وفي مقدمتها الملف الإيراني الذي تحول، خلافًا للتوقعات، إلى أحد أكثر ملفاتها تعقيدًا وإثارة للجدل.
ومن هذا المنطلق، أعاد ترامب إحياء المواجهة مع طهران من بوابة الأمن القومي، مستندًا إلى تقرير إسرائيلي تحدث عن وجود مخطط إيراني لاستهدافه. إلا أن هذا الطرح بدا مرتبكًا حتى داخل الرواية نفسها، بعدما أُشير إلى عدم وجود معلومات استخبارية حاسمة تثبت صحة الادعاء، فضلاً عن أن ما استند إليه التقرير اقتصر على تصريحات سياسية عامة صدرت عن مسؤولين إيرانيين، لا عن شخصيات أمنية أو عسكرية، الأمر الذي أضعف القيمة الاستخبارية للرواية وحوّلها إلى مادة سجالية أكثر منها معطىً أمنيًا موثقًا.
وعلى الرغم من هذا الالتباس، وجد ترامب في القضية فرصة لإعادة تشكيل المشهد السياسي الداخلي، عبر رفع منسوب التهديد تجاه إيران وربط أمنه الشخصي بصورة “الرئيس المستهدف”، وهي مقاربة تستنهض المشاعر القومية لدى الناخب الأميركي وتعيد إنتاج خطاب “العدو الخارجي” بوصفه أداة لتوحيد القاعدة الجمهورية. ففي علم السلوك الانتخابي، غالبًا ما تلجأ القيادات السياسية التي تواجه تراجعًا في الشعبية إلى تضخيم المخاطر الخارجية لإعادة ترتيب أولويات الرأي العام وإزاحة النقاش بعيدًا عن الإخفاقات الداخلية.
في المقابل، لا يبدو أن الضغوط الأميركية على إيران ستقتصر على الأدوات العسكرية أو العقوبات الاقتصادية، بل ستتسع لتشمل حربًا إعلامية ونفسية تهدف إلى تكريس صورة طهران باعتبارها مصدرًا دائمًا للتهديد العالمي. ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه الإدارة الأميركية انتقادات متزايدة بسبب محدودية نتائج المواجهة مع إيران، وبسبب استمرار الانحياز غير المشروط لحكومة بنيامين نتنياهو، التي باتت تواجه عزلة سياسية ودبلوماسية متنامية نتيجة استمرار الحرب، واتساع دائرة الانتقادات الدولية لسلوكها، والتصريحات الصادرة عن بعض أركانها بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة وجنوب سوريا وجنوب لبنان.
لكن البعد الأكثر أهمية يتجاوز الاعتبارات الانتخابية المباشرة، ليرتبط بمعادلة الطاقة العالمية. فالإدارة الأميركية تدرك أن استقرار أسعار النفط يشكل عاملًا اقتصاديًا وانتخابيًا بالغ الحساسية، وأن أي تهديد لحركة الملاحة في مضيق هرمز ينعكس فورًا على الأسواق العالمية ومعدلات التضخم داخل الولايات المتحدة. ومن هنا، تبدو الضغوط المتزايدة على إيران جزءًا من محاولة استراتيجية لانتزاع ورقة هرمز من معادلة الردع الإيرانية، أو على الأقل تقليص قدرتها على استخدامها كورقة ضغط في أي مواجهة مقبلة، بما يسمح بالحفاظ على استقرار سوق الطاقة قبل موعد الانتخابات.
غير أن هذه المقاربة تحمل في طياتها تناقضًا بنيويًا؛ فمن جهة تسعى واشنطن إلى الإبقاء على هامش تفاوضي مع طهران، ومن جهة أخرى تواصل توسيع العقوبات واستهداف البنى التحتية الإيرانية، وهو ما أدى إلى تآكل الثقة المتبادلة وإضعاف أي تفاهمات قائمة، لتصبح أقرب إلى هدنة سياسية هشة منها إلى مسار تفاوضي قابل للحياة.
واستراتيجيًا، تشير المؤشرات إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تصعيدًا محسوبًا لا حربًا شاملة. فواشنطن تحتاج إلى إبقاء مستوى الضغط مرتفعًا بما يخدم الحسابات الانتخابية ويمنحها أوراق تفاوض إضافية، فيما تدرك طهران أن الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد يمنح خصومها ما يبحثون عنه سياسيًا. لذلك، فإن المشهد الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار سياسة “الضغط المتبادل تحت سقف الحرب”، حيث تتكثف العقوبات والرسائل العسكرية والعمليات المحدودة وحرب السرديات الإعلامية، بالتوازي مع محاولات كل طرف تحسين موقعه التفاوضي. أما مستقبل التفاهمات الأميركية ـ الإيرانية، فسيرتبط إلى حد كبير بنتائج الانتخابات الأميركية، إذ إن ما يجري اليوم لا يبدو مجرد إدارة لأزمة إقليمية، بقدر ما هو إعادة تموضع جيوسياسي تُستخدم فيه إيران والطاقة والأمن الإقليمي كأوراق داخل معركة سياسية تدور في واشنطن قبل أن تُحسم في الشرق الأوسط.
عباس المعلم - كاتب سياسي