عثر علماء آثار من معهد الآثار التابع للأكاديمية الروسية للعلوم على كنز من الدراهم الفضية الإسلامية أثناء أعمال التنقيب في مستوطنة تعود إلى العصور الوسطى على ساحل خليج كالينينغراد، في اكتشاف يسلط الضوء على العلاقات التجارية المبكرة بين العالم الإسلامي وشمال أوروبا.
كنز يعود إلى عهد هارون الرشيد
أظهرت الدراسة أن معظم العملات المكتشفة تعود إلى عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، خامس خلفاء الدولة العباسية، الذي يُعرف عصره بأنه أحد أبرز فترات الازدهار في تاريخ الخلافة الإسلامية ويُطلق عليه غالبا "العصر الذهبي".
كما تبين أن إحدى العملات سُكت في عهد آخر خلفاء الدولة الأموية، بينما تعود مجموعة أخرى إلى عهد الخليفة العباسي المهدي، ثالث خلفاء الدولة العباسية.
59 درهما فضيا بين عامي 746 و815 ميلادية
يضم الكنز 59 درهما فضيا، منها 29 عملة كاملة و30 قطعة من عملات مقصوصة، وقد سُكت جميعها خلال الفترة الممتدة بين عامي 746 و815 ميلادية.
ولاحظ الباحثون وجود شقوق صغيرة على حواف بعض العملات، ويرجح أنها أُحدثت لاختبار نقاء الفضة والتأكد من أصالة العملات. كما احتوت بعض القطع على ثقوب، ما يشير إلى احتمال استخدامها كحُلي أو زينة.
وقال إدوين زالتسمان، رئيس بعثة سامبيا الأثرية التابعة للأكاديمية الروسية للعلوم، إن تدفق الفضة القادمة من الشرق كان أحد العوامل الرئيسية التي ساهمت في ازدهار اقتصادات هذه المناطق الأوروبية، بما في ذلك بلاد الروس.
دليل على ازدهار التجارة بين العالم الإسلامي وأوروبا
يقع موقع الاكتشاف في خليج كالينينغراد، حيث قامت منذ القرن الثامن الميلادي مستوطنة تعود إلى شعب البروسيين القدماء.
ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف يقدم دليلا جديدا على أن التجارة بين شمال أوروبا والعالم الإسلامي كانت نشطة بالفعل خلال القرن التاسع الميلادي.
وقال نيكولاي ماكاروف، مدير معهد الآثار بالأكاديمية الروسية للعلوم، إن هذا الكنز يمثل أول اكتشاف موثق بشكل موثوق يؤكد أن أراضي منطقة كالينينغراد الحالية كانت جزءًا من شبكة التجارة بعيدة المدى التي كانت تنقل الفضة القادمة من الشرق إلى منطقة بحر البلطيق خلال القرن التاسع الميلادي.
العملات جاءت من العراق وإيران وأفغانستان
كشفت الدراسة أن 25 درهما من العملات سُكت في مدينة السلام (بغداد، العراق)، عاصمة الخلافة العباسية آنذاك، بينما سُكت درهم واحد في الكوفة بالعراق.
كما سُكتت ثلاث عملات في مناطق خاضعة للدولة العباسية، شملت إقليمي خراسان والجبال في إيران، بينها عملة من مدينة نيسابور وعملتان من المحمدية.
أما قطع الدراهم المجزأة فقد جاءت من نطاق جغرافي أوسع، إذ تعود إحدى العملات الأموية إلى مدينة واسط في العراق، بينما سُكتت قطع عباسية أخرى في مدينة السلام والكوفة.
وأشار الباحثون إلى أن أبعد موقع لسك العملات التي عُثر عليها هو مدينة زرنج التاريخية في إقليم سجستان، والتي تقع ضمن أراضي أفغانستان الحالية، مما يعكس الامتداد الواسع لشبكات التجارة التي ربطت العالم الإسلامي بأوروبا قبل أكثر من ألف عام.