لم يعد التصعيد بين واشنطن وطهران مجرد مواجهة حول الملف النووي أو العقوبات الاقتصادية، بل تحول إلى صراع على كسر الإرادة السياسية. فمنذ سنوات، تبني الولايات المتحدة استراتيجيتها على مزيج من الضغوط الاقتصادية والعزلة السياسية والتهديد العسكري، مع الإبقاء على باب التفاوض مفتوحًا وفق شروطها، انطلاقًا من قناعة بأن الاستنزاف المتراكم كفيل بإجبار إيران على إعادة رسم سلوكها الاستراتيجي. إلا أن طهران تقرأ هذه المقاربة بصورة معاكسة تمامًا؛ فهي تنظر إلى أي ضغط متصاعد بوصفه محاولة لفرض إرادة سياسية عليها، وتتعامل مع أي تراجع تحت هذا الضغط باعتباره بداية سلسلة من التنازلات لا نهايتها، ولذلك جعلت من رفض الرضوخ جزءًا من عقيدتها السياسية والأمنية، حتى وإن ترتبت عليه أكلاف اقتصادية أو عسكرية باهظة.
من هذا المنطلق، لا تُفسَّر المواقف الإيرانية بوصفها ردود فعل آنية، بل باعتبارها رسائل استراتيجية تهدف إلى تثبيت معادلة مفادها أن العقوبات والتهديدات لا تنتج استسلامًا، بل تدفع إلى مزيد من التشدد. ولهذا، فإن أي محاولة لانتزاع تنازل عبر الإكراه قد تُفضي، من وجهة نظر صانعي القرار في طهران، إلى تقويض صورة الردع التي راكمتها الجمهورية الإسلامية طوال عقود، وهو ثمن تعتبره أكبر من كلفة الاستمرار في المواجهة. ولذلك، فإن ما يبدو للبعض عنادًا، يُقدَّم داخل المنظور الإيراني باعتباره ضرورة استراتيجية للحفاظ على توازن القوة ومنع تكريس سابقة تُبنى عليها ضغوط أشد في المستقبل.
غير أن هذه المعادلة تضع المنطقة أمام أخطر مراحلها منذ سنوات، لأن استمرار كل طرف في اختبار حدود الطرف الآخر يرفع احتمالات الانزلاق إلى مواجهة قد تخرج عن السقوف التقليدية التي حكمت الاشتباكات السابقة. فكلما ارتفع منسوب الضغوط، ضاق هامش المناورة، وأصبح أي خطأ في الحسابات أو أي احتكاك ميداني قادرًا على تحويل الصراع من سياسة ردع متبادل إلى حرب مفتوحة، يصعب توقع حجمها أو مدتها أو امتدادها الجغرافي، خصوصًا إذا امتدت آثارها إلى الممرات البحرية الحيوية وأسواق الطاقة وتقاطعت مع مصالح قوى إقليمية ودولية أخرى.
لكن المفارقة الاستراتيجية تكمن في أن اللحظات التي يبلغ فيها التصعيد ذروته قد تكون، في الوقت نفسه، الأكثر قابلية لإنتاج تسوية. فالتاريخ السياسي مليء بأزمات بلغت حافة الانفجار قبل أن تتحول إلى اتفاقات، بعدما أدركت الأطراف أن كلفة الحرب الشاملة تفوق المكاسب الممكنة. وعليه، فإن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام احتمالين متوازيين يفصل بينهما خيط بالغ الدقة: إما انفجار واسع يعيد رسم خرائط الصراع والتوازنات في المنطقة، وإما تفاهم جديد يُولد من رحم أقسى مراحل التصعيد، بعد أن يكون كل طرف قد أثبت أنه لن يدخل المفاوضات من موقع المنكسر. وفي هذا التوازن الهش، قد لا يكون القرار المقبل مجرد خطوة سياسية، بل نقطة التحول التي ستحدد ما إذا كانت المنطقة تتجه إلى تسوية تاريخية أم إلى مواجهة يتعذر ضبط حدودها.
عباس المعلم - كاتب سياسي