هرمز يبتلع الأمريكيين : لا تفاوض بلا قوّة.
مقالات
هرمز يبتلع الأمريكيين : لا تفاوض بلا قوّة.
موسى عباس
16 تموز 2026 , 15:54 م

كتب: موسى عبّاس

فِي غَمْرَةِ الحَرَائِقِ المُشْتَعِلَةِ الَّتِي تَلْتَهِمُ خَرِيطَةَ المِنْطَقَةِ، مِنْ شَوَاطِئِ غَزَّةَ إِلَى جِبَالِ لُبْنَانَ، وَمِنْ صَحْرَاءِ اليَمَنِ إِلَى مِيَاهِ الخَلِيجِ، وَتَصَاعُدِ المَجَازِرِ الصِّهْيُونِيَّةِ المُمَنْهَجَةِ خاصةً فِي غَزَّةَ بِحَقِّ المَدَنِيِّينَ، يَقِفُ المُرَاقِبُ أَمَامَ مَشْهَدٍ إِقْلِيمِيٍّ شَدِيدِ التَّعْقِيدِ؛ حَيْثُ يَتَدَاخَلُ جُنُونُ القُوَّةِ العَسْكَرِيَّةِ الغَاشِمَةِ مَعَ ارْتِبَاكِ الحِسَابَاتِ الِاسْتْرَاتِيجِيَّةِ لِوَاشِنْطُنَ وَتَلِّ أَبِيبَ.

لَكِنَّ المُفَارَقَةَ الصَّادِمَةَ لَا تَكْمُنُ فَقَطْ فِي المَيْدَانِ، بَلْ فِي "الفَجْوَةِ السِّيَادِيَّةِ" الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ مَنْطِقَيْنِ: بَيْنَ قَادَةٍ امْتَلَكُوا جُرْأَةَ إِغْلَاقِ المضائق بِوَجْهِ الشُّرُوطِ وَالإِمْلَاءَاتِ، وَبَيْنَ عَوَاصِمَ تَعِيشُ فِي "كَوْكَبٍ آخَرَ" تَلْهَثُ وراء التطبيع مع الصهاينة وتدفع الجزية لمن يبتزّها ويدّعي حمايتها كما في دول الخليج، وعواصم حكمتها سلطات فُرِضَت من قبل الأمريكان لا تكاد تُمَثِّلُ سوى فئة قليلة من الشعب كما في لبنان والعراق لا تَمْنَعُهَا دِمَاءُ الشُّهَدَاءِ مِنَ الِانْخِرَاطِ فِي مَسَارَاتٍ تَفَاوُضِيَّةٍ مُذِلَّةٍ وَالرُّضُوعِ لِتَهْوِيلِ الأَمْرِيكِيِّينَ وَالصَّهَايِنَةِ لِنَزْعِ سِلَاحِ المُقَاوَمَةِ.

— الخَلِيجُ: مَعْرَكَةُ هُرْمُزَ وَفَشَلُ تطويع الإيرانيين.

لَمْ تَعُدِ المُوَاجَهَةُ مَحْصُورَةً فِي فِلَسْطِينَ وَلُبْنَانَ، بَلْ كَشَفَتِ المَعَارِكُ المُشْتَعِلَةُ فِي الخَلِيجِ وَجْهاً آخَرَ لِلْأَزْمَةِ يَمْتَدُّ إِلَى قَلْبِ التَّوَازُنَاتِ الدُّوَلِيَّةِ. إِنَّ السَّعْيَ الأَمْرِيكِيَّ المَحْمُومَ لِلسَّيْطَرَةِ عَلَى مَضِيقِ هُرْمُزَ بِالقُوَّةِ وَفَرْضِ قَوَاعِدِ اشْتِبَاكٍ جَدِيدَةٍ بَاءَ بِالفَشَلِ المُسْتَمِرِّ؛ فَكُلُّ مُحَاوَلَةٍ لِعَسْكَرَةِ هَذَا المَمَرِّ المَائِيِّ الحَيَوِيِّ اصْطَدَمَتْ بِإِرَادَةِ طَهْرَانَ وَبِقُدْرَتِهَا عَلَى رَفْعِ كُلْفَةِ أَيِّ مُغَامَرَةٍ إِلَى مُسْتَوًى لَا تَحْتَمِلُهُ وَاشِنْطُنُ وَلَا حُلَفَاؤُهَا فِي الخَلِيجِ. هُنَا أَيْضاً انْهَارَتْ "عَقِيدَةُ الصَّدْمَةِ"؛ فَبَدَلَ أَنْ يَكُونَ المَضِيقُ وَرَقَةَ ضَغْطٍ بِيَدِ الأَمْرِيكِيِّينَ، تَحَوَّلَ إِلَى نُقْطَةِ اسْتِنْزَافٍ جَدِيدَةٍ لَهُمْ، وَإِثْبَاتٍ عَمَلِيٍّ أَنَّ السَّيْطَرَةَ عَلَى مَصَادِرِ الطَّاقَةِ لَمْ تَعُدْ مَضْمُونَةً بِقُوَّةِ السِّلَاحِ.

وَفِي هَذَا السِّيَاقِ السَّاخِنِ، جَاءَتْ مَوَاقِفُ رَئِيسِ البرْلُمَانِ الإِيرَانِيِّ مُحَمَّد بَاقِر قَالِيبَاف لِتُعَبِّرَ عَنْ عُمْقِ هَذِهِ المُوَاجَهَةِ الوُجُودِيَّةِ مَعَ الوِلَايَاتِ المُتَّحِدَةِ؛ إِذْ أَكَّدَ بِوُضُوحٍ أَنَّ المَعْرَكَةَ مَعَ وَاشِنْطُنَ هِيَ مَعْرَكَةٌ جَوْهَرِيَّةٌ تَهْدِفُ فِي أَسَاسِهَا إِلَى تَقْسِيمِ إِيرَانَ وَإِسْقَاطِ مِحْوَرِ المُقَاوَمَةِ، مُشَدِّداً عَلَى أَنَّ طَهْرَانَ، رَغْمَ أَنَّهَا لَا تَسْعَى إِلَى الحَرْبِ وَلَمْ تُرَحِّبْ بِهَا يَوْماً، إِلَّا أَنَّهَا مُسْتَعِدَّةٌ لِلْقِتَالِ حَتَّى رَمَقِهَا الأَخِيرِ دِفَاعاً عَنْ أَمْنِهَا القَوْمِيِّ. كَمَا أَبْرَزَ قَالِيبَاف مُعَادَلَةَ "القُوَّةِ وَالدِّبْلُومَاسِيَّةِ" كَمَسَارَيْنِ مُتَوَازِيَيْنِ، مُؤَكِّداً أَنَّ الِاسْتِعْدَادَ الدَّائِمَ لِلتَّضْحِيَةِ هُوَ الأَرْضِيَّةُ الصَّلْبَةُ الَّتِي تَمْنَحُ الدِّبْلُومَاسِيَّةَ وَالتَّفَاوُضَ الفَاعِلِيَّةَ لِتَحْصِيلِ الحُقُوقِ وَتَحْقِيقِ المَصَالِحِ الوَطَنِيَّةِ.

— انْهِيَارُ "عَقِيدَةِ الصَّدْمَةِ" وَتَحَوُّلُ الصُّمُودِ إِلَى سِلَاحٍ.

لَقَدْ كَانَ الرِّهَانُ الأَمْرِيكِيُّ وَالصِّهْيُونِيُّ قَائِماً عَلَى "حَرْبٍ خَاطِفَةٍ، وَتَدْمِيرٍ هَائِلٍ، ثُمَّ فَرْضِ شُرُوطِ الإِذْعَانِ"، لَكِنَّ الحَرْبَ تَحَوَّلَتْ إِلَى نَزِيفٍ مَفْتُوحٍ.

أَمَامَ هَذَا الِاسْتِنْزَافِ اليَوْمِيِّ وَالتَّكْلُفَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ البَاهِظَةِ، انْهَارَتْ سَرْدِيَّةُ "النَّصْرِ السَّرِيعِ"، فَبَاتَ الصُّمُودُ بِحَدِّ ذَاتِهِ سِلَاحاً، وَالصَّبْرُ بِحَدِّ ذَاتِهِ انْتِصَاراً. لَقَدْ أَدْرَكَ مِحْوَرُ المُقَاوَمَةِ أَنَّ الوَقْتَ صَارَ شَرِيكاً حَيَوِيّاً لَهُ، وَأَنَّ مَنْعَ العَدُوِّ مِنْ تَحْقِيقِ أَهْدَافِهِ المُعلنة في تدمير أَعْدَائِهِ وإجبارهم على الِاسْتِسْلَامِ هُوَ جَوْهَرُ الِانْتِصَارِ الِاسْتْرَاتِيجِيِّ.

— شَرْقٌ أَوْسَطُ خَائِفٌ بَدَلَ "شَرْقٍ أَوْسَطَ جَدِيدٍ"

تَلَاشَتْ أَوْهَامُ "الشَّرْقِ الأَوْسَطِ الجَدِيدِ"؛ فَالْأَنْظِمَةُ الَّتِي رَاهَنَتْ عَلَى مِظَلَّةِ الحِمَايَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ وَمَسَارَاتِ التَّطْبِيعِ اكْتَشَفَتْ أَنَّ عُرُوشَهَا وَاقْتِصَادَاتِهَا الهَشَّةَ قَدْ تَنْهَارُ أَمَامَ هَدِيرِ المَيْدَانِ.

فِي المُقَابِلِ، تَحَوَّلَتِ السَّاحَاتُ مِنْ غَزَّةَ إِلَى لُبْنَانَ وَاليَمَنِ وَإِيرَانَ وَالخَلِيجِ إِلَى جَبَهَاتٍ مُتَكَامِلَةٍ تَمْلِكُ زِمَامَ المُبَادَرَةِ، وَهُوَ مَا يُتَرْجِمُهُ الرَّفْضُ الإِيرَانِيُّ الحَاسِمُ لِلْإِمْلَاءَاتِ الصِّهْيَوْ-أَمْرِيكِيَّةِ. إِنَّ خَرِيطَةَ المِنْطَقَةِ اليَوْمَ بَاتَتْ تَتَشَكَّلُ عَلَى إِيقَاعِ الصُّمُودِ، لَا عَلَى إِيقَاعِ الصَّوَارِيخِ الصِّهْيُونِيَّةِ.

— العِرَاقُ: خُضُوعٌ لِلُّوبِي وَضَرْبٌ لِخُطُوطِ الرَّبْطِ.

وَفِي الوَقْتِ الَّذِي تَتَهَاوَى فِيهِ أَوْهَامُ "الشَّرْقِ الأَوْسَطِ الجَدِيدِ"، يَبْرُزُ بِوُضُوحٍ كَيْفَ أَنَّ غَالِبِيَّةَ القُوَى المُؤَثِّرَةِ فِي القَرَارِ الدُّوَلِيِّ تَقَعُ تَحْتَ طَائِلَةِ نُفُوذِ اللُّوبِي الصِّهْيُونِيِّ السِّيَاسِيِّ وَالإِعْلَامِيِّ وَالمَالِيِّ، وَلَنْ تَقِفَ فِعْلِيّاً إِلَى جَانِبِ قَضَايَا المِنْطَقَةِ المُحِقَّةِ إِلَّا إِذَا حَدَثَتْ مُعْجِزَاتٌ.

أَبْرَزُ تَجَلِّيَاتِ هَذَا التَّأْثِيرِ تَظْهَرُ فِي السَّاحَةِ العِرَاقِيَّةِ، مِنْ خِلَالِ خُضُوعٍ سَافِرٍ لِطَلَبَاتِ الإِدَارَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ، وَإِصْدَارِ قَرَارَاتٍ تَعْتَبِرُ المُقَاوَمَةَ فِي لُبْنَانَ "إِرْهَاباً" وَتَمْنَعُ تَحْوِيلَ الأَمْوَالِ إِلَيْهَا، إِضَافَةً إِلَى التَّحْرِيضِ المُمَنْهَجِ ضِدَّ فَصَائِلِ الحَشْدِ الشَّعْبِيِّ الذي لولاه ولولا الدعم الإيراني لكان الآن خاضعاً لحكم الإرهاب الداعشي. وَالهَدَفُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ وَاضِحٌ: مُحَاوَلَةُ عَزْلِ السَّاحَاتِ عَنْ بَعْضِهَا البَعْضِ، وَقَطْعِ شَرَايِينِ الدَّعْمِ وَالرَّبْطِ بَيْنَ أَطْرَافِ المِحْوَرِ.

— لُبْنَانُ: سَخَافَةُ التَّفَاوُضِ وَخَطَرُ جَرِّ الجَيْشِ اللُّبْنَانِيِّ إِلَى مَعْرَكَةِ صِدَامٍ مُبَاشِرٍ ضِدَّ المُقَاوَمَةِ وَبِيئَتِهَا بِالتَّحَالُفِ مَعَ الكِيَانِ الصِّهْيُونِيِّ، وَهُوَ سيناريو كَارِثِيٌّ سَيُؤَدِّي حَتْماً إِلَى خَرَابِ لُبْنَانَ وَإِدْخَالِهِ فِي أَتُونِ حَرْبٍ أَهْلِيَّةٍ تُنْهِي صِيغَتَهُ الوُجُودِيَّةَ. وَهُوَ سيناريو يَبْقَى مُسْتَبْعَداً بِفَضْلِ وَعْيِ قِيَادَةِ الجَيْشِ وَرَفْضِها الِانْجِرَارَ إِلَى مُغَامَرَةٍ تَدْمِيرِيَّةٍ تَخْدُمُ أَجْنَدَةَ المُشَغِّلِ الأَمْرِيكِيِّ، تلك القيادة التي يسعى الصهاينة إلى اسْتِبْدَالِهَا بقيادة يتم تعيينها من قبلهِم.

وَتَقَاطُعاً مَعَ الرُّؤْيَةِ السِّيَاسِيَّةِ لِخَطِّ المُقَاوَمَةِ، يَتَّضِحُ هُنَا جَدْوَى الرَّبْطِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ قَالِيبَاف؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ لِأَيِّ عَمَلِيَّةٍ تَفَاوُضِيَّةٍ أَوْ جُهْدٍ دِبْلُومَاسِيٍّ مَعَ قُوَىً تَنْكُثُ العُهُودَ كَأَمْرِيكَا وَالكِيَانِ الصِّهْيُونِيِّ أَنْ يُثْمِرَ أَوْ يَنْتَزِعَ حَقّاً، مَا لَمْ يَسْتَنِدْ فِي الأَسَاسِ إِلَى اقْتِدَارٍ ذَاتِيٍّ فِي المَيْدَانِ، وَجُهُوزِيَّةٍ تَامَّةٍ لِلْقِتَالِ تَفْرِضُ عَلَى الأَعْدَاءِ الرُّضُوعَ وَالتَّرَاجُعَ.

— الِاسْتِنْزَافُ الشَّامِلُ، حتى موعد الحرب الحاسمة.

مِنْ هُرْمُزَ إِلَى الجَنُوبِ، وَمِنْ غَزَّةَ إِلَى صَنْعَاءَ، دَخَلَتِ المِنْطَقَةُ مَرْحَلَةَ "الِاسْتِنْزَافِ الشَّامِلِ". إِنَّ المُكَابَرَةَ الأَمْرِيكِيَّةَ-الصِّهْيُونيّة المُسْتَمِرَّةَ لَنْ تُغَيِّرَ مِنْ حَقِيقَةِ أَنَّ أَوْرَاقَ القُوَّةِ قَدْ تَبَدَّلَتْ جِذْرِيّاً عَلَى أَرْضِ الوَاقِعِ.

وَالبَدِيلُ عَنِ الِاعْتِرَافِ بِالوَاقِعِ الإِقْلِيمِيِّ الجَدِيدِ هُوَ الذَّهَابُ نَحْوَ حُرُوبٍ مَفْتُوحَةٍ لَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا المُسْتَكْبِرُونَ إِلَّا بِالِانْكِسَارِ المُذِلِّ. إِنَّ قُوَّةَ الجَبْهَةِ الدَّاخِلِيَّةِ في بلدان محور المواجهة تُقَاسُ اليَوْمَ بِصَلَابَةِ بِيئَةٍ تُؤْمِنُ بِأَنَّ ثَمَنَ الكَرَامَةِ -مهما كان قاسياً ومريراً- يَبْقَى أَرْخَصَ بِكَثِيرٍ مِنْ صَغَارِ العَيْشِ تَحْتَ رَحْمَةِ الكِيَانِ الصِّهْيُونِيِّ وَإِمْلَاءَاتِهِ... وَلَنَا فِي فِلَسْطِينَ النَّمُوذَجُ وَالمِثَالُ الحَيُّ.