✍️ عبدالله علي هاشم الذارحي
لاشك ان كلمة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي عصر اليوم، التي امتدت ساعةً وأربعين دقيقة، جاءت لتشكل خطابًا سياسيًا واستراتيجيًا شاملًا، تجاوز حدود التعليق على الأحداث إلى رسم معالم المرحلة المقبلة، وتحديد طبيعة الصراع، وكشف أطرافه، ووضع معادلات جديدة.
فالخطاب لم ينطلق من ردود الأفعال، إنما من رؤية تعتبر أن الجهاد في سبيل الله هو طريق الحرية والعزة،وأن الاستسلام لقوى الطغيان لا يجلب إلا مزيدًا من الاحتلال والذل، وأن الأمة لا يمكن أن تستعيد مكانتها إلا بمواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي الذي يستهدف ويستبيح الإنسان والأرض والهوية والثروات، وكل شيئ.
وأكد سيد القول والفعل أن العدوان على فلسطين ولبنان وإيران واليمن ليس أحداثًا منفصلة، وإنما حلقات في مشروع واحد عنوانه "الشرق الأوسط الجديد" و"إسرائيل الكبرى"، تقوده امريكا والكيان الصهيوني، وتشارك فيه بريطانيا، بينما تؤدي بعض الأنظمة العربية أدوارًا سياسية وإعلامية واقتصادية وأمنية وغيرها لخدمة هذا المشروع.
وفي جانب القضية الفلسطينية، أعاد الخطاب التذكير بأن ما يجري في غزة هو جريمة إبادة جماعية مستمرة، وأن كيان الاحتلال لا يحترم اتفاقًا ولا هدنة ولا قانونًا دوليًا، فهو يواصل القتل والتجويع والتهجير وتدمير المدن والمستشفيات والمساجد، وإنتهاك الأقصى، بينما يقف العالم عاجزًا و متواطئًا، في مشهد يكشف سقوط الشعارات الغربية حول حقوق الإنسان والعدالة الدولية.
وفي المقابل، أشاد بالمواقف الداعمة لفلسطين، معتبرًا أن جبهات الإسناد في اليمن ولبنان وإيران أثبتت أن الأمة لا تزال تمتلك عناصر القوة إذا توفرت الإرادة والقيادة الصادقة، وأن محور المقاومة أصبح رقمًا صعبًا في معادلة الصراع، رغم كل الضغوط والمؤامرات.
كما تناول بإسهاب العدوان الأمريكي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، معتبرًا أن صمود إيران وإفشال أهداف الحرب شكل انتصارًا استراتيجيًا لكل شعوب المنطقة، وأثبت أن المشروع الأمريكي ليس قدرًا محتومًا، وأن الإرادة الحرة قادرة على كسر الهيمنة مهما بلغت قوة المعتدين.
أما في الشأن اليمني، فقد حملت الكلمة لهجة غير مسبوقة تجاه النظام السعودي، إذ أكد السيد أن ما يسمى بخفض التصعيد لم ينعكس بأي تحسن إنساني، فقد استمرت الرياض في تشديد الحصار، ومنع الرحلات، وتعطيل الموانئ، وحرمان اليمنيين من ثرواتهم النفطية والغازية، وفرض قيود أرهقت الاقتصاد ورفعت أسعار السلع، وفاقمت معاناة المرضى والفقراء.
وأوضح أن الشعب اليمني حُرم طوال سنوات من أبسط حقوقه في السفر والعلاج والاستفادة من ثرواته الوطنية، بينما استمر الاحتلال ونهب الموارد، معتبرًا أن ذلك يمثل عدوانًا مستمرًا لا يمكن القبول به تحت أي مبرر.
ومن أخطر ما ورد في الخطاب، إعلان معادلة ردع واضحة وصريحة، مفادها أن استمرار استهداف المطارات والموانئ اليمنية سيقابله استهداف المطارات والموانئ السعودية، وأن الحصار سيقابله حصار، وأن كل المنشآت النفطية والحيوية السعودية ستكون أهدافًا مشروعة إذا أقدمت الرياض على إعادة التصعيد العسكري أو مواصلة خنق الشعب اليمني.
بالتالي فإن ماورد في كلمة قائد الثورة ليست مجرد رسائل إعلامية، إنما إعلان انتقال من مرحلة الصبر الاستراتيجي إلى مرحلة تثبيت معادلات الردع، بعد أن أثبتت التجارب السابقة فشل العدو السعو صهيو بريطان أمريكي في إخضاع اليمن، رغم كافة الحروب المباشرة والحصار والضغوط والتآمرات.
ومالفت نظري في الكلمة هو الربط بين الحرية والإيمان، حيث أكد السيد القائد
أن القضية لم تعد قضية مطارات أو موانئ فحسب، وإنما قضية كرامة وسيادة واستقلال، وأن قبول اليمنيين بأن يتحكم الآخرون في سفرهم وثرواتهم وموانئهم يعني القبول بالعبودية والاستسلام، وهو ما رفضه الشعب اليمني خلال أكثر من أحد عشر عاماً من الحرب، ولن يقبل به مستقبلًا.
كما دعا إلى الخروج الجماهيري الواسع يوم غد إن شاء الله، باعتباره رسالة سياسية وشعبية تؤكد تمسك اليمنيين بحقوقهم، ورفضهم للحصار والوصاية، وتجديدًا للعهد على مواصلة طريق الجهاد والصمود حتى انتزاع الحقوق كاملة.
وفي ختام الخطاب، جاءت الكلمات المؤثرة التي قال فيها: "نفسي فداء لكم يا شعبي العزيز... روحي لله وحياتي لله في خدمتكم، وبألا تُظلموا ولا تُهانوا ولا تُقهروا"، لتجسد ارتباط القيادة بالشعب، وتحويل المعركة من معركة سياسية إلى معركة كرامة وهوية وحرية.
إن كلمة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي لم تكن مجرد قراءة للمشهد، لكنها إعلان واضح بأن مرحلة جديدة قد بدأت، عنوانها أن زمن إدارة الحصار قد انتهى، وأن معادلة "الحصار بالحصار، والمطار بالمطار، والميناء بالميناء" أصبحت عنوان الرد،
وأن اليمن لن يقبل بعد اليوم أن يبقى رهينة للحصار أو الوصاية، وإنما ماضٍ في الدفاع عن سيادته وإنتزاع حقوقه مهما بلغت التضحيات، حتى يتحقق النصر الكامل، وتستعاد الحرية والعزة والكرامة والاستقلال، بقوة الله ذُو الجلال والإكرام.