م. ميشال كلاغاصي
18/7/2026
لم تمنح الشراكة الأمريكية – الأوروبية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، الدول الأوروبية فرصة الراحة، وخاضت تحت رايتها عشرات الحروب العسكرية حول العالم بالأصالة وبالوكالة الأمريكية، ولم تستطع كذلك النأي بنفسها عن حروب الولايات المتحدة التجارية، ولا زالت حتى اليوم تخوض حروب الرئيس دونالد ترامب العسكرية والتجارية على حدٍ سواء، وتراها تغادر حرباً لتخوض أخرى، ولن تكون حروبها الحالية مع روسيا والصين اّخر الحروب، فالعقل الأمريكي دائم الحضور لإبتكار مبررات وأسباب الحروب المختلفة.
ويعمل الإتحاد الأوروبي اليوم بشكلٍ حثيث على إتخاذ مواقف جادة وإجراءاتٍ حمائية صارمة للحد من الهيمنة الصينية، مدفوعاً بعجزٍ تجاري هائل يتجاوز الـ 360 مليار يورو، دون إنزالقه الكامل في حرب تجارية شاملة قد تضر بإقتصاديات دوله، وتشمل إجراءاته فرض رسوم جمركية مشددة على السلع الإستراتيجية، والسيارات الكهربائية الصينية، والتقنيات النظيفة، وأشباه الموصلات والمواد الخام النادرة، وسط مساعيه لتقليل الإعتماد الإقتصادي الأوروبي على المصادر الصينية، بهدف حماية الشركات الأوروبية.
ولأجل هذا الهدف، تعمل المفوضية الأوروبية على تعزيز ترسانتها الدفاعية لحماية مصالحها الاقتصادية، وقامت بتشكيل لجنةٍ خاصة "لمكافحة الأزمات"، لتنسيق الإجراءات في حال حدوث تصاعد للنزاعات التجارية مع الصين، وذلك استجابةً للمخاوف المتزايدة لدى السياسيين والشركات الأوروبية، حول القفزات النوعية التي حققتها الصين، وتوسعها في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، وذلك بعد إنضمامها إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، وتدفق سلعها الإستهلاكية الرخيصة وإغراق الأسواق العالمية والأوروبية، والذي تطور لاحقاً مع مطلع عام 2020، ليشمل تأثيرها أسواق الصناعات الإستراتيجية كالسيارات الكهربائية، والبطاريات، والألواح الشمسية، والروبوتات، والمواد الكيميائية.
في وقتٍ تضاعفت فيه واردات الاتحاد الأوروبي من الصين خلال السنوات العشر الماضية، ووصلت إلى حوالي 560 مليار يورو في عام 2025، بالتوازي مع العجز التجاري للإتحاد الأوروبي مع الصين، الذي يكاد يلامس الـ 400 مليار يورو.
استشعرت ألمانيا خطورة ما يجري قبل غيرها من دول الإتحاد، كونها الدولة الصناعية الرائدة لعقودٍ طويلة، ولإعتبارها المحرك التقليدي للصناعة الأوروبية، الأمر الذي يجعلها الأكثر عرضة للمخاطر والضرر، مع استحواذ وسيطرة الشركات الصينية على الحصة الأكبر من الأسواق، وقدرتها على المنافسة كماً ونوعاً وجودةً، ومحافظتها بنفس الوقت على أسعارٍ تعادل نصف أسعار المنتجات الأوروبية.
إن تنامي الاستثمارات الصينية في المصانع الأوروبية، لم يعد تقرأه كل من بروكسل أو واشنطن على أنه بديلاً للصناعات الأوروبية المتعثرة، بل كتهديد حقيقي، تسعى من خلاله بكين لخلق فائضٍ كبير في طاقتها الإنتاجية، لأهداف تتخطى التجارة التنافسية البريئة.
وعليه.. بدأت المفوضية الأوروبية العمل الدؤوب عبر "لجنة مكافحة الأزمات" الجديدة، إلى تسريع خطواتها وتطبيق إجراءات الحماية التجارية وتطوير آلياتها للحد من الإعتماد على الإمدادات الصينية من المواد الخام الأساسية، بالتوازي مع قيامها بتحذير الصين، وبالترويج الإعلامي لما دعته بـ "التهديد الصيني"، وهذا بحد ذاته يشكل هروباً نحو الأمام، وتبريراً غير مقبول لتقاعس الإتحاد الأوروبي وعجزه عن إيجاد الحلول لمشاكله الداخلية كـ إنخفاض الطلب المحلي، والقيود الهيكلية والتشريعات، وغياب الإبتكار وقدرة المنافسة مع العقول الصينية.
وفي الوقت الذي تحاول فيه المفوضية الأوروبية تسريع تطبيق خطواتها الحمائية، تخشى مواجهة الضغوط أو العقوبات الإقتصادية المضادة التي قد تلجأ إليها الصين، وتفضل تفعيل إستراتيجية العمل المزدوج، عبر الحفاظ على مسار التفاوض وتشديد الإجراءات الحمائية، لتجنب الإنخراط في حرب تجارية شاملة ومدمرة.
حيث يحاول الإتحاد الأوروبي وبعض دوله الكبرى كألمانيا وفرنسا، تكثيف جهودهم لوضع رؤيةٍ استراتيجية موحدة لحماية الشركات والصناعات الأوروبية، والقيام بجولات ومحادثات مكثفة مع بكين للوصول إلى بيئة تجارية أكثر توازناً، عبر خريطةٍ مشتركة، ووضع مهلٍ زمنية محددة لتقييم التقدم الحاصل في المفاوضات.
وهكذا، تجد الدول الأوروبية نفسها في مواجهةٍ حادة مع الصين، بهدف التصدي لـ "الغزو الصناعي"، وحماية قواعدها الإقتصادية، في وقت تبدو أياديها مكبلة بإعتمادها الهيكلي العميق على السوق وسلاسل التوريد الصينية.
وتبقى الأولوية القصوى لبروكسل هي إجبار الصين على اللعب وفق قواعد منظمة التجارة العالمية وخفض العجز التجاري، مع بناء اقتصاد أوروبي أكثر مرونة واستقلالية، وعليه وتبدو خطوات الإتحاد لإقامة لجنة مكافحة الأزمات أمراً متأخراً بلا فائدة، وستاراً لإخفاء إستعداد بروكسل لحرب تجارية طويلة الأمد، تحدد نتائجها مستقبل الصناعة الأوروبية، وموازين القوى الدولية في الإقتصاد العالمي.
م. ميشال كلاغاصي
18/7/2026