عبد الحميد كناكري خوجة: روعة الثبات والتصدي والكفاح...ولوعة النفاق والتخاذل والانبطاح.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: روعة الثبات والتصدي والكفاح...ولوعة النفاق والتخاذل والانبطاح.

”حين يعلو الموقف على الضجيج، وتنتصر المبادئ على المصالح، يبقى الثبات عنوان الكرامة، ويغدو الصمود لغة لا تحتاج إلى تبرير."

في عالم تضطرب فيه المعايير وتتنازع فيه القوى على تشكيل الوعي، تبرز إيران بوصفها نموذجا يفرض نفسه على القراءة المتأنية لا على الانفعال العابر، فهي لا تستدعى إلى المشهد بوصفها طرفا طارئا، بل بوصفها حالة سيادية وحضارية اختارت أن تجعل من الثبات درعا، ومن الردع مبدأ، ومن الكرامة أفقا. ولعل في قوله تعالى: {إن مع العسر يسرا} ما يلخص هذا المسار؛ إذ ليس العسر نهاية المطاف، بل امتحانا للمعنى حين يشتد الخناق وتتكاثر الضغوط.

”منطق الردع ومعنى الثبات"

لقد واجهت عاصمة تكريم القرآن وآل بيت النبوة، عبر عقود متلاحقة، ضغوطا مركبة لم تقتصر على التهديد العسكري، بل امتدت إلى العقوبات، والتشويه الإعلامي والحرب النفسية، ومحاولات العزل السياسي. ومع ذلك، لم تتخذ من الألم ذريعة للانكسار، بل حولته إلى قوى تنظيمية وأخلاقية، فجاء موقفها أقرب إلى الصخرة التي تتلقى الموج ولا تتراجع. وهذا المعنى تؤكده الحكمة القديمة: « من صبر ظفر» فالصبر هنا ليس سكونا، بل بناء بطيء للمناعة، وترميم للهيبة، وحراسة للقرار.

ولم يكن الصمود الإيراني موقفا عاطفيا منفردا، بل امتدادا لرؤية ترى أن الدفاع عن النفس حق مشروع، وأن رد العدوان ليس نزوعا إلى الفوضى بل صون للسيادة. ومن هنا حضرت دعوة الوحدة الإسلامية بوصفها ضرورة لا شعارا، لأن التفكك لا يخدم إلا مشاريع الهيمنة، ولأن الأمة التي تنقسم على نفسها تصبح أكثر قابلية للاختراق. وقد أحسن القدماء حين قالوا: ”اليد الواحدة لا تصفق"؛ فالمعنى هنا سياسي بقدر ما هو إجتماعي، إذ لا تصان القضايا الكبرى إلا بتماسك الصفوف وتجاوز الصغائر.

وفي المقابل، تتبدى صورة أخرى أقل نبلا: صورة التطبيل والتخاذل والتطبيع، حيث تستبدل البصيرة بالمجاملة، والمبدأ بالمصلحة الضيقة، والموقف بالضجيج الإعلامي.

بعض من اعتلى الأبراج الزجاجية الباسقة أو استند إلى كراسي مرصعة فضل أن يبرر العدوان أو يلمع وجهه، فصار على طرف نقيض من الضمير السياسي. وهنا تبرز المقولة اللاتينية ”،Amor Fati" لا بمعنى الاستسلام للقدر، بل بمعنى وعي المحنة وتحويلها إلى امتحان للثبات؛ فالأمم الكبيرة لا تقاس بما يصفق لها الآخرون، بل بما تصونه حين تحاصر وتشوه صورتها.

”مابين الروعة واللوعة"

هكذا يتضح أن الفارق بين المشهدين ليس فرقا في السياسة فحسب، بل في الأخلاق والرؤية والعمق. فهناك روعة تتجلى في الثبات والصمود والتصدي والكفاح، وفي جيش وشعب عظيم يردان الأذى ولا يعتديان، ويثبتان أن الكرامة يمكن أن تكون مشروعا جماعيا لا هتافا عابرا. وفي الجهة المقابلة، هناك لوعة التطبيل والتخاذل والانبطاح، حيث يختلط الصوت العالي بالفراغ، وتختلط المجاملة بالخيانة الرمزية للمعنى. وبذلك يبقى هذا العنوان خلاصة أمينة للمشهد كله: ” روعة الثبات والتصدي والكفاح...ولوعة التخاذل والنفاق والانبطاح". والدرس واضح: وحدة حقيقية تتجاوز الشعارات، ووضع المبدأ والمصلحة فوق المصالح الضيقة. إن الخيار بالثبات_كما جسدته طهران في مواقفها الراسخة_ليس موقفا عاطفيا بل مشروع عمل حضاري نقتبس منه الإصرار والحد من الإنكسار؛ فلنصون أوطاننا بالوعي والتضامن، ولنجعل صوت الضمير أعلى من صوت المصالح العابرة.

كاتب دمشقي حر في الغربة.