طور فريق من الباحثين نموذجا متقدما يحاكي الأمعاء البشرية على شريحة إلكترونية، في إنجاز قد يساعد على فهم الآليات التي تقف وراء مرض التهاب الأمعاء المزمن ، ويفتح الطريق أمام تطوير علاجات أكثر فاعلية ودقة.
ويعد التهاب الأمعاء المزمن من الأمراض التي تصيب ملايين الأشخاص حول العالم، إلا أن العلماء ما زالوا يجهلون الأسباب الدقيقة التي تؤدي إلى استمرار الالتهاب واختلاف تطور المرض من مريض إلى آخر.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Biomedical Engineering.
تحديات دراسة المرض
فهم التهاب الأمعاء المزمن ( مصدر الصورة: Pixabay )
واجه الباحثون لسنوات صعوبة في دراسة التهاب الأمعاء داخل المختبر، لأن نماذج زراعة الخلايا التقليدية لا تعكس الصورة الكاملة للمرض، بينما لا تمثل النماذج الحيوانية ما يحدث داخل أمعاء الإنسان بدقة.
وأدى ذلك إلى صعوبة فهم كيفية تفاعل أنواع الخلايا المختلفة في حدوث الالتهاب وتلف الأنسجة وزيادة خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم.
نموذج يحاكي الأمعاء البشرية

ابتكر العلماء جهازا مصغرا يعرف باسم شريحة القولون، يعتمد على خلايا مأخوذة من مرضى داء كرون والتهاب القولون التقرحي، وهما الشكلان الرئيسيان لمرض التهاب الأمعاء المزمن.
ويمثل هذا النموذج أكثر الأنظمة المخبرية اكتمالا حتى الآن، إذ يحاكي البيئة الطبيعية للأمعاء البشرية، ويتيح دراسة التفاعلات بين الخلايا بصورة لم تكن ممكنة سابقا.
وقال الباحث أليجان أوزكان، مهندس الطب الحيوي في جامعة هارفارد والمؤلف الأول للدراسة، إن هذا النموذج يعد الأول الذي ينجح في إعادة إنتاج نوبات تفاقم المرض التي قد تتعرض لها بعض النساء أثناء الحمل، كما يسمح بدراسة المراحل الأولى لتكون سرطان القولون داخل أنسجة بشرية حقيقية.
اكتشاف دور جديد للخلايا الليفية
كان من أبرز نتائج الدراسة اكتشاف الدور المحوري للخلايا الليفية، وهي خلايا تعرف أساسا بدعم بنية الأنسجة والمساعدة في إصلاحها.
وأظهرت التجارب أن هذه الخلايا لا تكتفي بدور داعم، بل تسهم بشكل مباشر في تعزيز الالتهاب وإضعاف الحاجز الواقي للأمعاء.
وللتحقق من ذلك، جمع الباحثون خلايا ليفية من مرضى التهاب الأمعاء مع خلايا معوية سليمة مأخوذة من المرضى أنفسهم داخل الشريحة.
وأظهرت النتائج أن الخلايا السليمة بدأت تتصرف كما لو كانت مصابة بالمرض، إذ أصبح الحاجز المعوي أكثر نفاذية وازدادت الاستجابة الالتهابية.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تشير إلى أن الخلايا الليفية قد تؤدي دورا أكبر بكثير مما كان يعتقد سابقا في تطور المرض.
تأثير حركة الأمعاء
أتاح النموذج الجديد أيضا دراسة تأثير الحركات الطبيعية للأمعاء، وهي عامل يصعب محاكاته في المختبر.
وعند إعادة إنتاج الحركات الميكانيكية المشابهة للانقباضات الطبيعية للأمعاء، لاحظ الباحثون زيادة شدة الالتهاب وارتفاع مؤشرات التليف في العينات المأخوذة من مرضى التهاب الأمعاء.
تأثير هرمونات الحمل
اختبر الباحثون كذلك تأثير الهرمونات المرتبطة بالحمل على المرض.
وعند تعريض الشرائح المصنعة من خلايا متبرعات لهذه الهرمونات، ازدادت مؤشرات الالتهاب وترسب الكولاجين، وهو ما يرتبط بحدوث التليف داخل الأنسجة.
وتساعد هذه النتائج في تفسير سبب تعرض بعض النساء المصابات بالمرض لتفاقم الأعراض خلال الحمل.
علاقة محتملة بسرطان القولون
استخدم الباحثون الشريحة لدراسة المراحل المبكرة لتطور سرطان القولون والمستقيم، أحد أخطر مضاعفات التهاب الأمعاء المزمن.
وعرض الفريق الشرائح، سواء السليمة أو المصابة، لمادة كيميائية معروفة بقدرتها على إحداث السرطان.
وأظهرت الشرائح المصابة تغيرات جزيئية مرتبطة بالسرطان بصورة أكبر من الشرائح السليمة.
كما اكتشف الباحثون أن الخلايا الليفية المأخوذة من مرضى التهاب الأمعاء كانت كافية لإحداث مؤشرات مبكرة مرتبطة بالسرطان داخل أنسجة معوية سليمة.
خطوة نحو علاجات أكثر دقة
أكد الباحثون أن قوة هذا النموذج تكمن في قدرته على محاكاة البيئة الطبيعية للأمعاء البشرية مع إمكانية دراسة تأثير كل عامل من عوامل المرض بصورة منفصلة أو مجتمعة.
ويرون أن هذه التقنية قد تسهم مستقبلا في فهم تطور التهاب الأمعاء المزمن بصورة أفضل، واختبار علاجات جديدة، وتطوير استراتيجيات أكثر دقة للحد من خطر الإصابة بسرطان القولون لدى المرضى.