الكشف عن سبب استهلاك الدماغ للطاقة أثناء مرحلة نوم
دراسات و أبحاث
الكشف عن سبب استهلاك الدماغ للطاقة أثناء مرحلة نوم
29 تموز 2026 , 11:13 ص

كشف باحثون من جامعة توهوكو اليابانية عن مفارقة جديدة في طريقة استهلاك الدماغ للطاقة أثناء مرحلة نوم حركة العين السريعة (REM) ، وهي المرحلة الأكثر ارتباطا بالأحلام. وأظهرت نوم حركة العين السريعة (REM)، وهي المرحلة الأكثر ارتباطا بالأحلام. وأظهرت النتائج أنه رغم زيادة تدفق الدم إلى الدماغ خلال هذه المرحلة، فإن مستوى جزيئات الطاقة المستخدمة مباشرة داخل الخلايا العصبية ينخفض، وهو ما قد يفسر شعور بعض الأشخاص بالإرهاق بعد الأحلام المكثفة.

ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Communications Biology.

الدماغ يستهلك طاقة كبيرة حتى أثناء النوم

الأحلام تستنزف طاقة الدماغ أثناء النوم  ( مصدر الصورة: جامعة توهوكو )

يعد الدماغ من أكثر أعضاء الجسم استهلاكا للطاقة، ورغم أن النوم يرتبط بالراحة، فإن نشاطه لا يتوقف.

وتكون هذه النشاطات أكثر وضوحا خلال مرحلة نوم حركة العين السريعة (REM)، التي ترتبط بالأحلام ومعالجة الذكريات. ولهذا السبب تعرف أحيانا باسم "النوم المتناقض"، لأن الجسم يكون شبه ساكن بينما يظهر الدماغ نشاطا يشبه حالة اليقظة.

وقال البروفيسور كو ماتسوي من جامعة توهوكو:

"هل سبق أن استيقظت مرهقا بعد حلم واضح؟ قد يبدو النوم فترة راحة، لكن الدماغ يكون شديد النشاط، خاصة أثناء الأحلام. أردنا فهم الأساس العلمي لهذه المفارقة."

مراقبة الدماغ أثناء النوم الطبيعي

لإجراء الدراسة، طور الباحثون تقنية أبقت جمجمة الفئران شفافة باستخدام راتنج خاص يعالج بالأشعة فوق البنفسجية، مما سمح لهم بمراقبة الدماغ أثناء النوم الطبيعي.

وباستخدام التصوير الفلوري واسع المجال، راقب الفريق عدة مؤشرات في الوقت نفسه، منها:

حجم تدفق الدم داخل الدماغ.

مستويات جزيء ATP، وهو المصدر المباشر للطاقة داخل الخلايا العصبية.

مستويات البيروفات داخل الخلايا النجمية، وهو جزيء مهم يربط الجلوكوز القادم من الدم بإنتاج الطاقة في الدماغ.

نشاط الدماغ يتنبأ بتدفق الدم

أظهرت الدراسة أنه خلال مرحلة النوم غير المصحوبة بحركة العين السريعة (NREM)، تمكن الباحثون من رصد تقلبات في موجات ثيتا الدماغية.

واتضح أن هذه الموجات كانت تتنبأ بالتغيرات في حجم تدفق الدم داخل مناطق الدماغ بعد نحو أربع ثوان، ما يشير إلى أن الدماغ يعدل تدفق الدم باستمرار لتلبية احتياجات الخلايا العصبية من الطاقة.

استعداد مبكر قبل بدء الأحلام

رصد الباحثون أيضا تغيرات لافتة قبل بداية مرحلة الأحلام.

فقد بدأ حجم تدفق الدم داخل الدماغ بالارتفاع قبل نحو 50 ثانية من بداية مرحلة REM، وبدأت هذه الزيادة من المناطق الخلفية للقشرة الدماغية قبل أن تنتشر تدريجيا نحو الأجزاء الأمامية.

ويرى الباحثون أن هذا النمط يشير إلى وجود عملية تحضير أيضية واسعة النطاق تسبق بدء الأحلام، بهدف تجهيز الدماغ للنشاط المكثف المتوقع خلال هذه المرحلة.

مفارقة الطاقة داخل الخلايا العصبية

بعد دخول الدماغ في مرحلة REM، ارتفعت مستويات البيروفات داخل الخلايا النجمية، وهو ما يدل على زيادة توافر مصادر الطاقة.

لكن المفاجأة كانت أن مستويات ATP داخل الخلايا العصبية انخفضت، رغم زيادة تدفق الدم ووفرة الوقود اللازم لإنتاج الطاقة.

ويشير هذا التناقض إلى أن زيادة إمدادات الطاقة لا تعني بالضرورة ارتفاع الطاقة المتاحة مباشرة للخلايا العصبية، بل إن الدماغ يعيد تنظيم توزيع الطاقة بين الأوعية الدموية والخلايا النجمية والخلايا العصبية بطريقة معقدة.

لماذا ينخفض ATP أثناء الأحلام؟

طرح الباحثون عدة تفسيرات محتملة لهذه الظاهرة، منها:

استهلاك الخلايا العصبية كميات كبيرة من ATP لإعادة تنظيم الوصلات العصبية المرتبطة بالذاكرة.

زيادة التواصل بين الحصين والقشرة الدماغية أثناء تثبيت الذكريات.

إعادة تنظيم الدوائر العصبية واسعة النطاق خلال مرحلة الأحلام.

تغير آلية انتقال الطاقة من الخلايا النجمية إلى الخلايا العصبية.

حدوث تغيرات في إنتاج ATP داخل الميتوكوندريا.

ولا تزال هذه الفرضيات بحاجة إلى مزيد من الدراسات للتأكد من الآلية الدقيقة.

كيف يستخدم الدماغ الطاقة بكفاءة؟

تشير الدراسة إلى أن الدماغ لا يوزع الطاقة بالتساوي كما تفعل الحواسيب التقليدية، بل يعيد توجيهها باستمرار وفقا للحالة السلوكية ومتطلبات معالجة المعلومات والذاكرة.

وقال الباحث الرئيسي يوسوكي تاكاهاشي:

"إن فهم كيفية موازنة الدماغ بين إمدادات الطاقة واستهلاكها قد يساعد في تفسير الكفاءة الكبيرة التي يتميز بها الذكاء البيولوجي. وتمثل مرحلة نوم حركة العين السريعة نموذجا طبيعيا يوضح كيف يعيد الدماغ تنظيم اقتصاده في استهلاك الطاقة لدعم العمليات الذهنية المعقدة."

أهمية الدراسة

يرى الباحثون أن النتائج تقدم فهما أعمق للوظائف الحيوية للنوم، وتوضح أن مرحلة الأحلام ليست فترة راحة للدماغ، بل مرحلة نشطة يعيد خلالها تنظيم موارده الطاقية لدعم تثبيت الذكريات والوظائف الإدراكية.

وقد تسهم هذه النتائج مستقبلا في تحسين فهم اضطرابات النوم، وآليات عمل الدماغ، والعلاقة بين النوم وصحة الذاكرة والقدرات العقلية.

المصدر: مجلة Communications Biology