منذ عام 2020، ومع انطلاق ما عُرف بحراك السابع عشر من تشرين، لم تكن المعركة، في نظر كثيرين، محصورة بالمطالب المعيشية أو بمواجهة الفساد والانهيار الاقتصادي، بل بدت، في بعض مساراتها، مدخلًا لإعادة تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي تحت عناوين إصلاحية واقتصادية جذابة، فيما كانت تتسلل، بالتوازي، أطروحات تتعلق بإعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل وإعادة تقديم فكرة التطبيع بوصفها خيارًا طبيعيًا أو مخرجًا من الأزمات.
في هذا السياق، برز اسم أنطون الصحناوي بوصفه أحد أبرز الممولين للمشهد الإعلامي والسياسي، وتكررت الأسئلة حول طبيعة الدور الذي تؤديه رؤوس الأموال في صناعة الرأي العام، وكيف يمكن للنفوذ المالي أن يتحول إلى أداة لإعادة هندسة المزاج الشعبي. فالتجارب الحديثة تؤكد أن مشاريع التحول الكبرى لا تبدأ بالدبابات، بل تبدأ بالمنصات الإعلامية، ومراكز الدراسات، والمنتديات الاقتصادية، والبرامج الحوارية، والمبادرات الاجتماعية والإنسانية التي تُقدَّم بوصفها أعمالًا خيرية أو تنموية، بينما قد تتحول، في بعض الحالات، إلى قنوات ناعمة لإعادة إنتاج منظومات فكرية وسياسية جديدة.
فالعمل الاستخباري المعاصر لم يعد يعتمد، بالدرجة الأولى، على العملاء التقليديين، بل على شبكات النفوذ الاقتصادي، والاستثمارات، والمؤسسات الإعلامية، وصناعة النخب، ورعاية المبادرات المدنية، وخلق بيئات ثقافية تتبنى، تدريجيًا، ما كان يُعد سابقًا من المحرمات الوطنية. إنها استراتيجية تقوم على اختراق العقول قبل الحدود، وعلى تبديل القناعات قبل تبديل الخرائط، بحيث يصبح المجتمع نفسه هو من يعيد إنتاج الخطاب المطلوب دون شعور بأنه يتعرض لعملية توجيه ممنهجة.
ومن هنا، فإن النقاش لا يتعلق بصورة نُشرت على طاولة عشاء في واشنطن بقدر ما يتعلق بالسؤال الأعمق: كيف تُصنع البيئة الحاضنة للتطبيع؟ وكيف تتحول بعض المنابر الإعلامية إلى أدوات لتطبيع الفكرة قبل تطبيع العلاقات؟ فمن يتابع عدداً من البرامج السياسية يلحظ حضورًا متكررًا لخطاب يدفع باتجاه اعتبار التطبيع خيارًا مشروعًا، سواء عبر مقدمات الحلقات، أو طبيعة الضيوف، أو آلية إدارة النقاش، أو حتى عبر تقديم نماذج من الشارع تُسوَّق على أنها تعكس رأيًا عامًا جديدًا، في عملية تبدو، بالنسبة إلى منتقديها، أقرب إلى صناعة الانطباع منها إلى قياسه.
أما ما يثير علامات الاستفهام، من وجهة نظر كثيرين، فليس مجرد ظهور صورة أو لقاء بعينه، بل طبيعة شبكة العلاقات السياسية والاقتصادية التي أحاطت بالرجل على امتداد سنوات، وما إذا كانت تتجاوز حدود المصالح التجارية التقليدية إلى أدوار ذات أبعاد جيوسياسية أوسع. فثمة من يرى أن الحماية التي حظيت بها بعض المؤسسات المالية النافذة، وقدرتها على المحافظة على نفوذها رغم الانهيار الشامل الذي أصاب الدولة والقطاع المصرفي، تستحق نقاشًا جديًا يتجاوز الانطباعات والشعارات، ويستند إلى الوقائع والشفافية والمساءلة.
وفي عالم الصراعات الحديثة، لم تعد أدوات النفوذ تُختزل بالقوة العسكرية، بل بات الاقتصاد، والإعلام، وشبكات المصالح، وصناعة النخب، من أكثر الوسائل قدرةً على إعادة تشكيل البيئات السياسية والاجتماعية. ومن هنا تنشأ الأسئلة المشروعة حول طبيعة هذه التشابكات، ومن يقف خلفها، ولأي غايات تُدار، من دون القفز إلى استنتاجات لا تستند إلى أدلة معلنة
أما القضية الجوهرية، فهي أن النفوذ المالي، عندما يتقاطع مع التأثير الإعلامي والقدرة على صناعة السرديات، يصبح لاعبًا سياسيًا كامل الصلاحيات، ولو لم يحمل صفة حزبية أو رسمية. ولذلك، فإن أي نقاش جدي حول مستقبل لبنان لا يمكن أن يتجاهل سؤال المال السياسي، ومصادره، وأهدافه، وحدود تأثيره في الإعلام، والاقتصاد، والثقافة، وصناعة الرأي العام، لأن أخطر أشكال النفوذ ليست تلك التي تُفرض بالقوة، بل تلك التي تُقنع الناس بأنها خيارهم الحر بينما تكون قد صُنعت لهم مقدماته بعناية فائقة.
عباس المعلم - كاتب سياسي