عقلك ليس آلةً خُلقت لتجعلك سعيدًا، بل جهاز بقاء صُمِّم ليُبقيك حيًا. ولهذا فهو يمنح الخطر أولويةً تفوق الحقيقة، ويحتفظ بالذكريات المؤلمة أكثر من السعيدة، ويرصد الإشارات السلبية بسرعة تفوق التقاطه لمصادر الأمان. وما تظنه أحيانًا تشاؤمًا أو قلقًا أو مبالغة في الحذر، ليس سوى آليات عصبية قديمة ما زالت تتعامل مع العالم بعقلية النجاة، لا بعقلية الحياة.
والأكثر إثارة أن عقلك لا يكتفي بتحليل الواقع، بل يعيد بناءه باستمرار. فهو يملأ الفراغات بالمخاوف، ويستكمل المعلومات الناقصة بالافتراضات، ويعيد صياغة الذكريات بما ينسجم مع حالتك النفسية الحالية. ولهذا قد لا يكون أكثر ما يؤلمك هو ما حدث فعلًا، بل الرواية التي صنعها دماغك حول ما حدث، حتى تتحول الفكرة مع الزمن إلى حقيقةٍ نفسية، رغم أنها لم تكن يومًا حقيقةً موضوعية.
ومن أكثر ما يخفيه العقل عن صاحبه أنه لا يفرق دائمًا بين الخطر الحقيقي والخطر المتخيَّل. فمجرد تخيل موقف محرج، أو خسارة محتملة، أو تهديد لم يقع بعد، كفيل بتنشيط دوائر التوتر وإفراز هرمونات الاستجابة كما لو أن الحدث يجري الآن. وهنا يبدأ الإنسان بالدفاع عن نفسه من احتمالات لم تولد بعد، فيستنزف طاقته في معارك ذهنية يخوضها داخل رأسه، بينما يبقى الواقع أكثر هدوءًا مما يتصوره.
لذلك فإن أعلى درجات النضج النفسي لا تتمثل في تصديق كل ما يدور في الذهن، بل في إدراك أن العقل، على عظمته، ليس شاهدًا محايدًا دائمًا. إنه يخطئ، ويبالغ، ويختزل، وينحاز، ويخلط بين الذاكرة والتوقع والخوف. وما إن يتعلم الإنسان مراقبة أفكاره بدل الاندماج معها، حتى يستعيد أعظم قدرة يملكها: أن يقود عقله، بدل أن يقوده عقله.
عباس المعلم - إعلامي لبناني