حسن الموسوي / العراق
يقدم لنا الشاعر ناظم الصرخي ثيما مختلفة من خلال مجموعته الشعرية بارد هذا الدفء
يشكل العنوان { بارد هذا الدفء } العتبة النصية الأولى، و هو عنوان انزياحي ، فحسب قوانين الفيزياء فالدفء حار و ليس بارد
و هنا أراد الشاعر أن يكون عنوانه عكس نواميس الطبيعة من أجل إثارة المتلقي .
الغلاف من العتبات النصية و هو يشكل خطابا بصريا لأن الصورة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمتخيل ، و في هذه الغلاف نجد صورة لبيت انتصب على صخور كبيرة فيما انتصبت شجرة كبيرة و جذورها متدلية في الهواء في إشارة إلى الانتماء للجذور .
و نجد في الغلاف الآخر { النار / متاحة الآن يا برومثيوس / توجه لخطف الصاعقة / فزيوس في غفلة / قد أغوته / انتصاراته الزائفة }
و وفقا للأساطير الاغريقية فإن برومثيوس و هو من آلهة الإغريق قد قام بسرقة النار و أعطاها للبشر بعد أن منعها زيوس عنهم .
و ترمز النار إلى المعرفة و بواسطة النار يخرج الإنسان من الظلمات إلى النور .
الإهداء من العتبات النصية و فيه نجد { إلى العيون النجلاء التي رافقت دربي عبر سنين الوحشة و الجفاف / إلى سارق النار الأزلية من أجل رقي الانسانية / إلى دفء لم يولد بعد / إلى غربتي و منفاي و وطني / إلى عائلتي الكريمة } .
يتناغم الإهداء مع العنوان و الغلاف ، حيث نجد أن البيت في الغلاف هو رمز للأسرة المتامسكة التي أساسها من الصخور الصلدة .
اختلفت الثيمات في هذه المجموعة ، ففي نص عفة { كم هي بائسة /هذه الدموع / لا تذرف دموعها / إلا حينما ينزل / المطر } ص7 .
و في هذا دلالة على المكابرة و محاولة إخفاء الآلام و الحزن أمام الآخرين ، فالانسان القوي لا يظهر دموعه على الآخرين كي لا يبدو ضعيفا و منهزما ، صحيح ان الإنسان يرتاح حينما يبكي ، لكن من الضروري عدم البكاء أمام الآخرين ، ففي ذلك دلالة على الانكسار و الضعف .
لذا نرى الإنسان القوي لا يبكي إلا عندما ينزل المطر ، ففي هذه الحالة تختلط قطرات المطر مع الدموع ، و هنا أتذكر مقولة شهيرة لشارلي شابلن يقول فيها { أحب دائما المشي تحت المطر حتى لا يرى أحد دموعي } .
في نص عقوق { كل غصن لا يغرد / احتفاء / بعيد الشجرة / هو في خاطرها / ابن عاق } ص 19 .
من الأمور المهمة التي تطرق إليها الكاتب و بشكل رمزي جميل هي مسألة عقوق الوالدين .
و هذه المسألة تحمل بين طياتها الآلام و الشجن للآباء الذين أفنوا سنين عمرهم في تربية أولادهم و في نهاية المطاف لا يحصلون من هؤلاء الأبناء سوى الجحود .
لقد استطاع الشاعر أن يصور لنا هذه المأساة بكلمات قليلة ، أنيقة ، و قد أسقطها على الشجرة في توظيف جميل للرمزية الشعرية
في نص مثلث برمودا { عيناك مثلث برمودا / أغرق سفني في تيهه / فأضعت البوصلة و أنا الربان / لو ان نيوتن يعلم / أن لعينيك المكحولة هذا الجذب / للعن التفاحة ، مزق أوراق القانون / و أرشق بالأرض / الفنجان } ص 40 .
أستخدم الشاعر الوصف ، و يعد الوصف ركنا أساسيا و هو الذي يمنح النص حيوية و يجعل القاريء يتفاعل معه ، و الوصف يحول القراءة إلى تجربة مؤثرة .
في نص إفك { تحدث كثيرا / عن مخره البحار / صدق كذبته / فغرق } ص 48 .
يقول غوبلز ، و هو وزير الإعلام الألماني خلال الحرب العالمية الثانية{ اكذب و أكذب حتى تصدق نفسك } و هذه فلسفة شيطانية ، فالنجاة في الصدق حسب الفلسفة الاسلامية .
يصور لنا الشاعر عن بحار كاذب ، كان يتلذذ بالكذب و ينسب إلى نفسه بطولات مزعومة ، و في نهاية المطاف يغرق .
و الغرق هنا معنوي و لا يعني فقط الغرق في البحار ، فالتاجر الخاسر هو غارق بالديون ، و الحبيب الذي تركته حبيبته هو غارق بالانكسار .
تصوير جميل و حكمة يقول فيها الشاعر أن نهاية الكذب هو الغرق و بالتالي الخسارة الكبرى في كل شيء يقول وارن بافليث { الصدق هو هدية غالية الثمن ، لذلك لا تتوقعها أن تأتي من أناس رخيصة } .
في نص تناظر { بين السجين / و السجان / قضبان حديدية / لا تشكل عائقا / كلاهما حبيس } ص 75 .
العلاقة بين السجين و السجان علاقة غريبة جدا ، فعلى أرض الواقع يبدو ان الغلبة للسجان و الانكسار من نصيب السجناء .
و لكن بما ان الدنيا غير ثابتة و هي خاضعة لنوماس الحياة المبني على التغيير ، فالسجان ربما يصبح في يوم من الأيام سجينا ، و على الباغي تدور الدوائر كما يقول المثل .
صراع على الاستحواذ وفق منطق الغابة ، القوي يأكل الضعيف ، و لا مجال لتقبل الآخر .
يقول ديستوفسكي في اختزال للصراع البشري { و حينما أصبحوا أشرار ، أخذوا يتحدثون عن الأخوة و الانسانية و فهموا تلك الأفكار ، و عندما أصبحوا مجرمين اخترعوا العدالة و كتبوا قوانين تصونها ، و لأجل تطبيق القوانين نصبوا المقصلة }
في نص حرية مزيفة { لؤلؤة / في قعر صدفة مظلم / فتح أبواب سجلها صياد / رأت النور مخضبا بالدماء / غشي عليها / و آثرت العودة } ص 86 .
في هذا النص رمزية عاليا ، فالحرية التي تكون ثمنها بحار من الدماء هي حرية غير مرغوب فيها .
فعلى الإنسان أن يحافظ على دماء الآخرين و ان لا يعرضهم إلى مخاطر جسيمة تهدد وجودهم من أجل مصلحته الشخصية المتمثلة بنيله للحرية .
في نص { أنتظر الذي لن يأتي / ألملم ذكرياتي الكسيرة / أوراقي المتشظية / أكحل أجفاني / بالحلم الماضي / و أنام } ص 106 .
الانتظار هو سمة عالية و هدف غالي ، يمارس أصحاب القلوب المشبعة باليقين ،
و في الموروث الشعبي و العقائد لكثير من شعوب العالم يكون انتظار المنقذ أو المخلص جزءا من العقيدة .
في هذا النص إقرار بأن الحبيب لن يأتي ، لذلك يرضخ الحبيب لهذه الحقيقة و يحاول أن يلملم شتاته و ينام ، و للنوم هنا أكثر من فائدة ، منها الراحة من التعب الذي رافق هجر الحبيب ، أو لعل من هجرنا يجود علينا بزيارة و لو في حلم .
في نص ضيق { الانكسارات / التي لا تعرف من أين تأتي / أجبرت القلب على / كسر / القفص الصدري } ص 114 .
في هذا النص كان على الشاعر أن يختار عنوانا آخر ، فمثلا يختار ثورة أو تمرد ، لأن القلب و من كثرة الانكسارات قام بكسر القفص الصدري المحبوس بداخله ، و في هذا إشارة إلى أن قابلية الإنسان للتحمل محدودة و ان الضغط المستمر سيولد الثورة و العصيان ، فالقلب كما هو معروف محبوس بإحكام داخل القفص الصدري ، و لأن الانكسارات كما يصفها الشاعر تأتي من كل مكان ، فالنتيجة الحتمية هي التمرد و كسر القضبان ، يحمل هذا النص رمزية كبيرة ، و فيه دلالة إلى الثورة على الواقع المتردي
اديب و ناقد عراقي