لم تعد تطورات الشرق الأوسط تُقاس بعدد الصواريخ أو الغارات الجوية، بل بحجم التحولات الاستراتيجية التي تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة. فما يجري من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن العراق إلى لبنان واليمن، ليس أزمات منفصلة، بل حلقات مترابطة في صراع يهدف إلى تحديد ملامح الشرق الأوسط الجديد.
لقد انتقلت المنطقة من مرحلة إدارة الأزمات إلى إعادة هندسة التوازنات، حيث لم يعد الهدف احتواء النفوذ الإيراني فقط، بل إعادة صياغة منظومة الأمن الإقليمي، بما يشمل الممرات البحرية، وأمن الطاقة، والتحالفات العسكرية.
وفي هذا السياق، يبرز إعلان المملكة العربية السعودية العمل على إنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات لحماية البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، في ظل تزايد القناعة بأن أمن الملاحة أصبح قضية عالمية ترتبط مباشرة باستقرار الاقتصاد الدولي. كما تتزايد المؤشرات على استعدادات عسكرية أوسع لمواجهة الحوثيين بعد استمرار استهداف الملاحة الدولية.
لكن المشهد يتجاوز البحر الأحمر، إذ تتحدث تقارير غربية عن استعدادات أمريكية وإسرائيلية لخيارات عسكرية واسعة ضد إيران إذا فشلت المفاوضات المتعلقة ببرنامجها النووي والصاروخي ونفوذها الإقليمي. وفي المقابل، تؤكد طهران أن أي حرب لن تبقى داخل حدودها، ملوحة باستهداف القواعد العسكرية والمنشآت النفطية وتعطيل الممرات البحرية.
وهنا يبرز السؤال الأخطر: ماذا سيحدث إذا تحولت هذه التهديدات إلى واقع؟
إن أي مواجهة تمتد إلى مضيق هرمز أو باب المندب ستتجاوز حدود الشرق الأوسط، لتتحول إلى أزمة عالمية تمس تجارة الطاقة وسلاسل الإمداد، وترفع أسعار النفط والغاز، وتزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي.
وفي قلب هذه التطورات يقف العراق أمام تحدي حماية سيادته ومنع استخدام أراضيه كساحة للصراعات، بينما يواصل لبنان التعامل مع تداعيات المواجهات الأخيرة، ويبدو اليمن مقبلا على مرحلة أكثر تعقيدا إذا انتقلت المواجهة من الاحتواء إلى الحسم. أما سوريا، فما زالت تعيش مرحلة انتقالية تجعلها جزءا من المشهد الإقليمي، وإن بأدوار مختلفة عن السابق.
ولا يقتصر الخطر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى احتمال تصاعد الانقسامات المذهبية والطائفية، بما يهدد استقرار المجتمعات ويمنح إسرائيل مكاسب استراتيجية إذا انشغلت القوى الإقليمية بصراعات طويلة، وتراجعت القضية الفلسطينية في سلم الأولويات الدولية.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة مفصلية قد تعيد رسم التحالفات وقواعد الاشتباك لعقود قادمة. لذلك، لم يعد السؤال: هل ستقع المواجهة؟ بل: إذا وقعت، إلى أين ستصل؟ وهل ستبقى حربًا إقليمية، أم ستتحول إلى أزمة عالمية تمس الأمن والطاقة والاقتصاد الدولي؟