عبد الحميد كناكري خوجة: الإمام والإعلام... من أعلام الإسلام.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: الإمام والإعلام... من أعلام الإسلام.

ليس الإعلام الإسلامي ترفا لغويا ولا منبرا للإنفعال العابر، بل هو صناعة للوعي، ومسؤولية في صوغ الحقيقة، ووسيلة لحماية الذاكرة الجماعية من التشويه والاختزال.

ومن هذا المنظور، تبرز سيرة شهيد وفقيد الأمتين العربية والإسلامية السيد علي خامنئي ”ق" بوصفها تجربة قائد ديني وسياسي ارتبط إسمه بالثورة، ومقاومة الهيمنة، والدفاع عن استقلال القرار الوطني، والدعوة إلى التقارب بين أبناء الأمة.

ومن خلال المصادر الوفيرة المتاحة تولى الشهيد خامنئي رئاسة إيران بين عامي 1982_ 1989، ثم أصبح قائدا أعلى منذ عام 1989 إلى ارتقائه للملأ الأعلى شهيدا في 28 فبراير 2026, رجوعا لمصادر صحفية ومرجعية دولية. ومن ثم، فإن تناول شخصيته يقتضي الجمع بين الوفاء الوجداني، والتحليل التاريخي والاحتراز العلمي.

أولا: سيرة تشكلت في زمن التحول.

ولد الشهيد الفقيد سنة 1939, ونشأ في بيئة علمية صقلت ملكته الدينية واللغوية، قبل أن ينخرط في مقاومة النظام الملكي السابق الذي رهن البلاد وخيراتها للمستعمر. ويتصل بالمشروع الذي قاده روح الله آية الله الخميني قائد ثورة 1979 الإسلامية في إيران. وبعد الانتصار المظفر لهذه الثورة، انتقل من موقع المعارض لنظام الملكية إلى فضاء المسؤولية العامة، فشارك في بناء مؤسسات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ثم تقلد رئاسة الدولة، قبل أن يخلف السيد روح الله الخميني”ق" ولم يكن حمله راية سلفه مجرد استمرار إداري، بل قراءة سياسية لمقتضيات السيادة والاستقلال ومواجهة الضغوط الخارجية، محاور ثابتة في رؤيته، وهي مواقف تفسر أنها دفاعا عن حق أبناء الشعب الإيراني في تقرير مصيره، بينما يقرأها بعض الخصوم ضمن سياق نقدهم. وهذه الازدواجية في التقييم لا تلغي دراسة التجربة بموضوعية، بل تؤكد أن الشخصيات الكبرى لا تفهم خارج تعقيدات عصرها.

ثانيا: الغيرة على مصالح المسلمين ومنطق الوحدة.

كان اهتمام الشهيد السيد خامنئي بقضايا المسلمين، وفقط خطاباته ومواقفه المعلنة، يتجاوز الحدود القومية إلى تصور أوسع للأمة. فقط ربط تحرير المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية ومقاومة الاحتلال، ورفض الأطماع والهيمنة والإستكبار الخارجي، بمسألة الكرامة الجماعية، كما دعا مرارا وتكرارا إلى الحوار والتقارب بين المذاهب، ونبذ الفتنة، وتقديم المشتركات الإسلامية على عناصر التفكيك والإنقسام.

والحوار، في هذا السياق، ليس تنازلا عن العقيدة، بل آلية حضارية لتقليل الاحتقان ومنع استثمار الخلافات في مشاريع التفكيك. فالأمة التي تنشغل بصراعاتها الداخلية تفقد قدرتها على حماية مصالحها، أما التوافق العقلاني فيمنحها مناعة سياسية وعمقا استراتيجيا.

ثالثا: وقفات العز أمام الهيمنة:

تجلت أبهى مواقفه في مواجهة منظومة صهيو_ أمبريالية ذات أطماع جيوسياسية واقتصادية في المنطقة. وقد ارتبط خطابه بمفردات مثل: الاستقلال، والردع، والسيادة، والصمود والممانعة، والتحرر من الإملاءات الدولية. ولا تعني القراءة التحليلية تحويل هذه المفاهيم إلى شعارات، بل فحص أثرها في الواقع: هل أسهمت في تعزيز القرار الإيراني؟ وهل رفعت قدرة الدولة على الصمود والتصدي للعدوان؟ وهل حافظت على تماسك المجتمع في لحظات الخطر؟ إن الإجابة المتوازنة تستلزم الاستناد إلى الوقائع لا إلى المبالغة، وإلى مقارنة النتائج بالخطاب المعلن.

رابعا: القرآن الكريم جسرا بين الشعوب.

لم يقتصر الحضور الإيراني على الخطاب السياسي، بل ظهر كذلك في تنظيم المسابقات القرآنية الدولية واستضافة القراء والحفاظ لكتاب الله من بلدان شتى. فقد جمعت الدورة الأربعون من المسابقة الدولية في طهران 99 قارئا من 44 دولة، في مشهد يعكس توظيف الثقافة القرآنية لبناء جسور التواصل بين المسلمين. كما استقبل الشهيد القائد، المشاركين، مؤكدا أن العمل بتعاليم المصحف الشريف يمثل سبيلا لمعالجة حاجات المجتمعات الإنسانية. وهنا تتخذ طهران صورة مزدوجة: عاصمة للصراع السياسي في المخيال الدولي، وفضاء للقراءة والتكريم والتعارف في الوجدان الديني. وهذا التداخل بين القوة الناعمة والرمزية الروحية أسهم في توسيع حضورها لدى شرائح من أبناء الأمة الإسلامية.

خامسا: الصمود الوطني ونيل الشهادة.

في 28 فبراير سنة 2026, أفادات تقارير إيرانية وإقليمية ودولية متعددة بارتقاء السيد خامنئي إلى العلا شهيدا بإذن الله في الضربات العدوانية التي استهدفت الجمهورية الإسلامية الإيرانية كما ان إعلان الحداد في التراب الوطني

إلتفاف شعبي واسع حول مؤسسات الدولة والقوات المسلحة، في مواجهة الاضطراب الأمني والعدوان الصهيو_ أمريكي السافر على سيادة البلاد.

ولا يصح اختزال الصمود الإيراني في شخص القائد وحده، فالدول تواجه الأزمات بترابط مؤسساتها، وتماسك مجتمعها، وقدرتها على إدارة الموارد، وحماية الجبهة الداخلية، لذلك يمكن فهم المقاومة الوطنية بوصفها حصيلة تفاعل بين الوعي الشعبي، والبنية العسكرية، والذاكرة التاريخية، والرغبة في صون الاستقلال.

تظل شخصية هذا القائد الكبير موضوعا مركبا تتقاطع فيه السيرة الدينية، والقيادة السياسية، والصراع الإقليمي، والرمزية الثورية. فقد كان عالما مجاهدا، حمل ميراث قائد الثورة آية الله خميني”ق"، ودافع عن وحدة صفوف الموحدين في العالم، وواجه قوى الشر والغطرسة والأطماع، وجعل من القرآن والثقافة أدوات للتواصل الحضاري.

أما الكتابة المنصفة عنه، فلا تكتفي بالمديح ولا تنزلق إلى التشهير؛ إنها تضع الرجل داخل زمانه، وتفكك قراراته، وتقارن بين مبادئه ونتائجها، وتترك للتاريخ مهمة الفصل الأخير. وهكذا يصبح الإعلام وفاء للحقيقة، ويغدو أعلام الإسلام موضوعا للفهم العميق، لا مادة للخطاب المنفعل. ويبقى التاريخ شاهدا أن الأمم التي تصون هويتها، وتتوحد على مبادئها، وتثبت أمام المحن، تفرض احترامها على خصومها قبل أصدقائها.

كاتب دمشقي حر.