نطوير غشاء حيوي يحدث نقلة في اختبار الأدوية الجديدة
منوعات
نطوير غشاء حيوي يحدث نقلة في اختبار الأدوية الجديدة
7 آب 2026 , 16:12 م

طور علماء روس غشاء حيويا يحاكي بنية الأمعاء الدقيقة البشرية بدقة غير مسبوقة، إذ يعيد إنتاج نفاذية الأمعاء بما يقارب 100 ضعف مقارنة بالنماذج المخبرية التقليدية. ومن المتوقع أن يسهم هذا الابتكار في تحسين دقة اختبارات الأدوية خلال المرحلة ما قبل السريرية، وتقليل نسب فشل الأدوية، وخفض تكاليف تطوير العلاجات الجديدة.

وأوضح الباحثون أن التقنية الجديدة قد تجعل اختبارات الأدوية أكثر سرعة وأقل تكلفة وأكثر موثوقية، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات لإثبات فعاليتها قبل اعتمادها على نطاق واسع.

غشاء يحاكي بنية الأمعاء الدقيقة

تطوير واختبار الأدوية الجديدة ( مصدر الصورة: Freepik )

ابتكر فريق من معهد الهندسة الطبية الحيوية في الجامعة الوطنية للعلوم والتكنولوجيا "ميسيس" (MISIS) نموذجا أوليا لغشاء بوليمري مسامي مزود بتضاريس مجهرية تحاكي الطيات الطبيعية لسطح الأمعاء الدقيقة.

واعتمد الباحثون على هذا الغشاء لتطوير نموذج تجريبي للحاجز المعوي، أظهرت الاختبارات أن نفاذيته أصبحت أقرب إلى الأنسجة البشرية الحقيقية بما يقارب 100 مرة مقارنة بالنماذج المخبرية المستخدمة حاليا، وهو ما قد يحسن دقة تقييم امتصاص الأدوية قبل بدء التجارب السريرية.

لماذا تفشل معظم الأدوية رغم نجاحها في المختبر؟

أوضح الباحثون أن ما يصل إلى 90% من الأدوية التي تحقق نتائج واعدة في التجارب المخبرية وعلى الحيوانات تفشل لاحقا عند اختبارها على البشر.

ويرجع ذلك إلى اختلاف الاستجابة البيولوجية بين الحيوانات والإنسان، إضافة إلى محدودية النماذج ما قبل السريرية الحالية، التي لا تستطيع محاكاة وظائف الجسم البشري بدقة كافية.

وأشار العلماء إلى أن هذا القصور يؤدي إلى هدر ما يصل إلى 75% من تكاليف تطوير الأدوية الجديدة.

ما المقصود بنفاذية الأمعاء؟

تعرف النفاذية بأنها قدرة الحاجز البيولوجي على السماح بمرور المواد المختلفة عبره.

وفي الأمعاء، تحدد هذه الخاصية مدى كفاءة انتقال الأدوية والعناصر الغذائية من تجويف الأمعاء إلى مجرى الدم.

ولقياس النفاذية، يستخدم العلماء مادة مرجعية تمر عبر الغشاء، ثم يقيسون كمية المادة التي تعبر إلى الجانب الآخر خلال فترة زمنية محددة. وكلما اقتربت النتائج من القيم المسجلة في الأنسجة البشرية الحقيقية، زادت دقة النموذج المستخدم.

مشكلة النماذج التقليدية

قالت البروفيسورة إليزابيتا كودان من معهد الهندسة الطبية الحيوية إن النموذج القياسي المستخدم حاليا يعتمد على خلايا Caco-2 المزروعة في طبقة مسطحة، وهي لا تعكس التضاريس الطبيعية للأمعاء المكونة من الزغابات والحفر المعوية.

وتؤدي هذه البنية المسطحة إلى تكوين حاجز أكثر كثافة بنحو ثلاثة أضعاف مقارنة بالحاجز المعوي الحقيقي، مما يقلل بشكل كبير من نفاذية المواد القابلة للذوبان ويؤثر في دقة تقييم امتصاص الأدوية.

بوليمر حيوي يحسن دقة المحاكاة

وللتغلب على هذه المشكلة، استخدم الباحثون البولي كابرولاكتون، وهو بوليمر متوافق حيويا يستخدم بالفعل في تطبيقات طبية متعددة.

وأثبتت النتائج أن الغشاء الجديد يقترب في خصائص النفاذية من الأنسجة البشرية الحقيقية بمقدار يزيد بمئتي مرة تقريبا مقارنة بالنموذج التقليدي.

وقالت الباحثة المشاركة فالنتينا كوستينكو إن الفريق نجح في إنتاج غشاء يحتفظ بتضاريسه المجهرية دون أن تتسطح مع مرور الوقت، وهو ما يسمح بزراعة خلايا الظهارة المعوية على سطحه لتكوين حاجز حي يحاكي الأنسجة السليمة والحالات المرضية.

وأضافت أن الباحثين عالجوا سطح الغشاء بمادتي الكيتوسان وحمض البولي غلوتاميك لضمان توزيع متجانس للخلايا على السطح المعقد.

خطوة نحو منصات جديدة لاختبار الأدوية

أكدت رئيسة جامعة MISIS، أليفتينا تشيرنيكوفا، أن هذا الإنجاز يأتي ضمن مشروع استراتيجي للهندسة الطبية الحيوية والمواد الحيوية تنفذه الجامعة في إطار البرنامج الحكومي الروسي "الأولوية 2030".

وأضافت أن الجامعة تقدمت بالفعل بطلب للحصول على براءة اختراع للطريقة الجديدة المستخدمة في تصنيع الغشاء الحيوي.

من جانبه، أوضح أركادي زينتشينكو، رئيس قسم الدراسات التحليلية في الإدارة الطبية لشركة R-Pharm، أن هذه التقنية قد تشكل أساسا لمنصة أكثر تطورا لاختبار الأدوية، ويمكنها مستقبلا تقليل الحاجة إلى بعض اختبارات الحرائك الدوائية التي تجرى على الحيوانات.

تمهيد لجيل جديد من اختبارات الأدوية

وصفت طبيبة الجهاز الهضمي يفغينيا كريلوفا، القائمة بأعمال مدير المركز الطبي في جامعة نوفوسيبيرسك الحكومية (NSU)، هذا التطور بأنه خطوة مهمة للانتقال من النماذج المسطحة القديمة إلى نماذج تحاكي الأنسجة الحية بصورة أكثر واقعية.

وأوضحت أن أبرز ما يميز الغشاء الجديد هو احتفاظه بتضاريسه الدقيقة التي تشبه الزغابات والحفر المعوية، إضافة إلى تقليل مشكلة تكوين الحاجز شديد الكثافة التي تعاني منها النماذج التقليدية، مما يجعل نفاذيته أقرب بكثير إلى الأمعاء البشرية.

وأضافت أن ذلك قد يقلل من استبعاد مركبات دوائية واعدة قابلة للذوبان في الماء بسبب نتائج غير دقيقة، ويسرع انتقال الأدوية من المختبر إلى المراحل الأولى من التجارب السريرية.

تحديات ما زالت قائمة

رغم النتائج الواعدة، أكد الخبراء أن التقنية تمثل المرحلة الأولى فقط نحو إنشاء منصة متكاملة لاختبار الأدوية.

ولا يزال الباحثون بحاجة إلى تطوير النموذج ليحاكي الحركة الميكانيكية الطبيعية للأمعاء الناتجة عن التقلصات الدودية، سواء في الحالات الطبيعية أو أثناء الإصابة بأمراض مثل الإسهال والإمساك.

ومع ذلك، يرى الباحثون أن هذا الابتكار يضع معيارا جديدا في مجال الهندسة الطبية الحيوية، ويمهد الطريق لتطوير منصات أكثر دقة وموثوقية لاختبار الأدوية في المستقبل.