اتفاق مكة … ولادة ميزان قوى جديد في الشرق الأوسط
مقالات
اتفاق مكة … ولادة ميزان قوى جديد في الشرق الأوسط
وائل المولى
8 آب 2026 , 05:24 ص

في الشرق الأوسط، لا تُقاس أهمية التحالفات بما تقوله بيانات التوقيع فقط، بل بما تكشفه لحظة ولادتها عن طبيعة المرحلة المقبلة. ومن هذه الزاوية، يبدو اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان أكبر من مجرد تفاهم عسكري بين ثلاث دول.

الاتفاق الذي ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، يأتي في لحظة تتراجع فيها قدرة الترتيبات الأمنية التقليدية على احتواء الصراعات الإقليمية، وتتزايد فيها المخاوف من انتقال المواجهات من ساحات الوكلاء إلى صدامات مباشرة بين الدول.

الرياض، التي تمتلك أصلاً شراكة دفاعية واسعة مع الولايات المتحدة، تبدو وكأنها تعمل على توسيع خياراتها الاستراتيجية الدفاعية . أما تركيا، بثقلها العسكري والجغرافي، وباكستان بقدراتها العسكرية وموقعها في العالم الإسلامي، فتمنحان الاتفاق عمقاً يتجاوز حدود الخليج.

وهنا تظهر إيران كأحد أبرز المستفيدين من قراءة الرسالة، حتى وإن لم يكن اسمها وارداً في الاتفاق. فطهران تنظر بحذر إلى أي منظومة إقليمية يمكن أن تحد من نفوذها أو تقلص هامش حركة حلفائها، ولذلك سارعت إلى التقليل من قيمة الاتفاق والتشكيك في قدرته على توفير الأمن للسعودية.

لكن المعادلة لا تتوقف عند إيران.

إسرائيل حاضرة في قلب المشهد، حتى من دون أن تكون طرفاً فيه.

لطالما سعى بنيامين نتنياهو إلى بناء تقارب مع الدول العربية على قاعدة مواجهة إيران، وتحدث في مراحل سابقة عن تشكيل تحالف بين إسرائيل و«الدول العربية المعتدلة» لمواجهة النفوذ الإيراني. وفي رؤيته الأوسع للمنطقة، كان الهدف الإسرائيلي يتمثل في إعادة ترتيب الشرق الأوسط حول شبكة من الشراكات الأمنية والسياسية الجديدة.

غير أن ظهور إطار دفاعي تقوده السعودية وتركيا وباكستان يضيف بعداً مختلفاً إلى هذه المعادلة. فإذا كانت إسرائيل قد سعت إلى أن تكون جزءاً من ترتيبات الأمن الإقليمي، فإن الاتفاق الجديد يفتح الباب أمام احتمال آخر: أن تبدأ دول المنطقة ببناء منظومتها الأمنية الخاصة، بعيداً عن الهيمنة الإسرائيلية أو الإيرانية، وحتى بعيداً عن الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية.

وهذا لا يعني أن الاتفاق تحول إلى حلف ضد إسرائيل. لكنه يعني أن تل أبيب لن تستطيع تجاهل ولادة قوة إقليمية جديدة تمتلك قرارها الخاص، خصوصاً إذا توسعت المنظومة لتشمل دولاً عربية أخرى.

وهنا تصبح مصر مرشحة طبيعية لأي ترتيبات مستقبلية، بحكم وزنها العسكري والجغرافي ودورها العربي. كما يمكن أن تصبح سوريا، بعد استكمال بناء مؤسسات الدولة واستقرار علاقاتها الإقليمية، جزءاً مهماً من أي نظام أمني جديد في المشرق.

أما الاختبار الحقيقي فسيكون في اليمن والعراق. فإذا دخلت السعودية حرباً برية واسعة في اليمن، فإن الاتفاق سيواجه أول امتحان فعلي بين مبدأ الدفاع المشترك وبين حدود الالتزام العسكري خارج الأراضي الوطنية. فالدفاع عن السعودية إذا تعرضت لهجوم مباشر يختلف تماماً عن المشاركة في حرب تخوضها خارج حدودها.

لهذا، فإن قيمة اتفاق مكة لن تُقاس بعدد الطائرات أو الجنود الذين يمكن أن تحشدهم الدول الثلاث، بل بقدرته على إعادة تعريف الردع في المنطقة.

فالشرق الأوسط يعيش مرحلة انتقال من نظام المحاور التقليدية إلى نظام أكثر سيولة، تتقاطع فيه المصالح السعودية والتركية والباكستانية، مع النفوذ الإيراني والطموح الإسرائيلي والدور الأميركي.

وقد يكون اتفاق مكة بداية لهذا التحول: ليس محوراً ضد محور ، ولا جبهة إسلامية ضد إسرائيل، بل محاولة لبناء ميزان قوى إقليمي جديد تستطيع دول المنطقة من خلاله حماية أمنها ومصالحها، بدلاً من ترك مستقبلها رهينة لصراع المحاور.

وفي هذه المعادلة، قد تكون الرسالة الأهم أن زمن المظلة الواحدة ربما يقترب من نهايته، وأن الشرق الأوسط بدأ يبحث عن قوة توازن لا قوة مواجهة .

المصدر: موقع اضاءات الإخباري