عبد الحميد كناكري خوجة: حكمة بلاد فارس وحوار الجوار.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: حكمة بلاد فارس وحوار الجوار.

”رؤية تحليلية لمخاطر الهيمنة الاستعمارية..طريق الوحدة العقلانية وصون السيادة المشتركة"

الحوار البناء هو أداة العقلاء، والنصح المستند إلى الحقائق هو سبيل الوقاية، والتحليل الهادئ للواقع هو ما يقي الشعوب من عواقب المكائد، وليس الانفعال أو إثارة الفوضى.

قال تعالى: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان }. من عمق حضارة فارس، التي امتزجت عبر قرون طويلة مع منابع الفكر العربي، أخصبت الأدب، وأغنت الفلسفة، وأرست قيم الأخوة الإنسانية؛ أقدم رؤيتي الواضحة المتزنة: إن قوى الهيمنة والاستكبار تتبع إستراتيجية مكشوفة واضحة المعالم. زرع الفتنة بين أبناء ديننا الواحد، وإثارة الخلافات الجانبية، ليسهل عليها تفكيك الدول، إضعاف الإرادات الحرة، والسيطرة الكاملة على الثروات والموارد التي هي حق أصيل لأصحاب الأرض جميعا، ولا أحد في رقعتنا هذه بمأمن تام، مهما بالغ من تقديم التنازلات أو الأموال الطائلة.

فالشجع لا حدود له، والأطماع لا تشبع أبدا.

إن ديننا الإسلامي الحنيف يأمرنا بالعدل والكرامة، ويحرم علينا التقرب أو مد يد الود لقوى ارتبط اسمها بدماء آلاف الشهداء في غزة العزة، وجنوب الشهامة والنخوة ”الجنوب اللبناني الشامخ"، والتراب الوطني لبلد الأبجدية الأولى؛ من أعظم ما يجرح الضمير أن نغض الطرف عمن عمل على تدمير القدرة العسكرية السورية_ التي هي ملك للشعب السوري العظيم، حصنه وكرامته، والتي لم تكون حكرا لنظام سابق ارتحل أو سلطة عابرة، ليبقى الوطن مكشوفا أمام كل عدوان واختراق. ندائي هذا نداء وعي، لا تحريض؛ تنبيه لما يحاك في الخفاء، لا دعوة لاضطراب؛ لنتحرك ببصيرة النهى قبل أن يفوت أوان التدارك.

لقد تحملت طهران وشعبها ومنذ انبلاج نور ثورتها عام 1979 بقيادة آية الله الخميني”ق"، ومضت على نفس النهج الثابت مع فقيد الأمتين العربية والإسلامية الشهيد علي خامنئي ”ق" أعباء جساما لا تطيقها الجبال: حصار اقتصادي ظالم، عقوبات أحادية غير قانونية، مؤامرات متتالية، وتحشيد أساطيل بحرية وجوية هائلة من قوى الشر والهيمنة والأطماع؛ والسبب واضح لا لبس فيه: أنها اختارت أن تكون في صف الحق، ناصرت حركات التحرر العادلة القانونية المشروعة، ورفضت أن تذعن لإملاءات الطغاة أو تبيع كرامتها مقابل وعود زائفة. بصبر استراتيجي عميق. وحنكة قيادية فذة، ومناعة ذاتية راسخة، واجهت كل هذه التحديات بمنطق القوة الرادعة، والحكمة، فكسرت شوكة ما يسمى بحكومة الطاغوت الإبستيني الأكبر وأدواته، وأثبتت بالتجربة العملية أن كل عدوان لم يصل إلى هدفه قط، ولم يحقق أي نتيجة مرجوة. بل خرجت إيران وشعبها من كل محنة أكثر تماسكا، أقوى بنيانا أعمق إيمانا بقدرتها، وفي نفس الوقت تظل يقظة دوما، يدها على الزناد، لأنها تعلم تماما أن العدو في طبعه الغدر والمكر، لا عهد ولا ميثاق ولا أمان له ولا في مواقفه المتقلبة.

لم يترك الخصم جهدا إلا وبذله: محاولة تشويه الصورة، وشيطنة متقنة، وتأليب الأصدقاء والأشقاء بادعاءات باطلة ليجعلها شماعة لكل عجز أو خلل؛ لكن كل هذه المخططات الخبيثة انتهت إلى الخيبة والفشل الذريع المتكرر.

ومن حقها القانوني والأخلاقي المؤكد: استرداد كافة الأموال والودائع المجمدة ظلما وقسرا، والمطالبة بتعويضات شاملة عادلة عن كل الأضرار التي طالت شعبها وبناها التحتية والاقتصاد؛ مع عدم نسيان جريمة الحكومة الإبستينية الأمريكية المتمثلة بقصف مدرسة البنات وارتقاء ما يقارب من 150 طفلة بريئة إلى العلا.

تلك الجريمة بحق الطفولة و الإنسانية التي ستبقى وصمة عار على جبين الحكومة الأمريكية لا تمحى، كما أنها دليل قاطع على فقدان كل قيم الرحمة والإنصاف عند من يتباهون بحضارتهم الزائفة.

أوجه رسالتي هذه بكل هدوء ومنطق إلى شعوب وجيوش دول الجوار التي تحوي قواعد عسكرية واستخباراتية أمريكية_صهيونية.

إن الحكمة تقتضي من هذه الدول المجاورة أن تنظر إلى مصالحها الاستراتيجية بعين الاستقلال والسيادة، وأن توازن بين علاقاتها الدولية وحقوق شعوبها وأمن أوطانها، فاستقرار المنطقة لا يتحقق بتعميق الانقسامات أو الارتهان لإرادات الخارج، وإنما بتعزيز الثقة المتبادلة، واحترام سيادة الدول، وتغليب لغة الحوار والتعاون الإقليمي، لأن أمن كل دولة يرتبط بأمن جيرانها، وأي اضطراب يمتد أثره إلى الجميع دون استثناء.

إنظروا إل الحقائق جلية، فما تدفع من أموال طائلة لن يغلق باب مطالبهم، بل يفتح شهية مزيد من السيطرة، ويجعل أرضكم ساحة تهديد لكم أولا؛ السبيل الآمن المستقر يكمن في توحيد المفاهيم، واليقظة من دسائس الفتن، العمل الجاد على انهاء وجود القواعد الأجنبية ومراكز التجسس ودعم المقاومتان الفلسطينية واللبنانية الشامختين، لأنهما الحراس للاستقرار الحقيقي لا مدمر له كما أبشر بكل ثقة تستند إلى سنن التاريخ والحق: أن نجم الغطرسة والنهب والاستبداد آفل نحو الزوال، مهما طال زمنه، فالقوى الظالمة مهما تضخمت، مصيرها الاندثار حين تضامن أهل الحق، وتمسكوا بوحدتهم وثقتهم بنصر الله وتأييده للصابرين.

الخاتمة:

إن ما أنادي به هو بناء أمن مشترك، استقرار دائم، قوة نابعة من العقل والاتحاد، لا من صراخ أو انفعال؛ أن نحلل الواقع بدقة، نختار مسارنا بحرية كاملة، ونحمي كياننا من أن نصبح أداة في يد غيرنا. فبالعلم نستبق الأخطار، وبالحكمة تعالج الأزمات، وبالتضامن نصون الحقوق، ونبني مستقبلا يليق بتاريخنا المجيد، ويتحقق وعد الله الصادق: { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين.}

وهكذا يتجلى كامل معنى العنوان”بلاد فارس وحوار الجوار" فهذا الحوار وهذه اليد الممدودة، وهذا النصح الصادق...ليس أبدا صادر عن ضعف، ولا نابعا من خوف، ولا مسعى لاستجداء رضا أحد، بل هو ترجمة صادقة لحكمة أصيلة، وأخلاق كريمة، ورجولة كاملة، وهيبة لا تنال، وحرص عميق نابع من ضمير حي على مصلحة المنطقة وأمنها وكرامة كل شعوبها.

تمتد اليد لتعمر، لا لتدمر، لتجمع لا لتفرق، لتؤسس لغد يسوده العدل والاحترام؛ فالعظيم هو من يعطي النصح بكرامة، ويبني الجسور بعزة، ويدعو للخير وهو في قمة القوة والثبات، ليكون التقارب سبيل مجد مشترك، وحصنا منيعا في وجه كل عدو متربص.

ستبقى رؤيتي بصيرة؛ وكلماتي رصاص الحق، وبياني صوت للكرامة. وصدقي شعاع، ومواقفي صخور لا تنال، وإن ازداد مؤشر كتاباتي وتقديري لمواقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية الشقيقة، فذلك ليس بتحيز، ولا انتماء أعمى، بل بما يراه الجميع وأراه بعين بصيرتي، من مواقفها المشرفة تجاه الحق وتصديها للهيمنة، ونصرتها للمستضعفين من أبناء الأمة وصمودها الذي أذهل العالم؛ والحق واحد كلما اتضح وصدق انحاز له من لا يباع، ومن يقيم كلمته بميزان العدل والمنطق. وكانت وستبقى بلاد الزعفران والفستق والسجاد والصناعات الأصيلة مهد الحضارات ومهد الرجولة والبطولة والحكمة ومنارة يهتدى ويقتدى بها. بلد يحسب له أعدائها ومتربصيها ألف حساب. لا تعرف الخضوع لإملاءاتهم أو الخنوع.

لا أجامل، ولا أزلف، قلمي لا يلين، بفلسفة تبصر، وبلاغة تسحر، ورجولة وعنفوان أقف شامخا كالجبال، لا أعرف الهزيمة وبكل إصرار وعزيمة عظيمة. أقارع الباطل بكل شرف وثبات دون كلل أو مال أو سبات. كنت وسأبقى قائد جبهة ثقافية.

قلم عابر للعقول. ريشة قلمي لأشد تأثيرا من صاروخ عابر للقارات.

كاتب سوري حر.