لماذا أخطأت واشنطن وتل أبيب في الاعتقاد أن إيران ستقاتل وحدها ؟ وكيف أربك محور المقاومة حسابات الحرب والعزل ؟
مقالات
لماذا أخطأت واشنطن وتل أبيب في الاعتقاد أن إيران ستقاتل وحدها ؟ وكيف أربك محور المقاومة حسابات الحرب والعزل ؟
مهدي مبارك عبد الله
8 آب 2026 , 15:10 م

د . مهدي مبارك عبد الله

لم تكن المشكلة الكبرى التي واجهتها واشنطن وتل أبيب في أي مواجهة محتملة مع إيران مرتبطة فقط بحجم الترسانة الصاروخية الإيرانية أو بقدراتها العسكرية المباشرة بل كانت مرتبطة ايضا بسؤال أكثر عمقًا وخطورة هل نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في عزل إيران فعلاً عن بيئتها الإقليمية أم أنهما وقعتا في خطأ استراتيجي قاتل عندما اعتقدتا أن طهران ستجد نفسها مضطرة لخوض أي مواجهة بصورة منفردة بعيدًا عن شبكات الحلفاء التي بنتها ورعتها خلال عقود بكل قوة وتحدي .

الواقع الميداني الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط كيف يمكن أن تتطور أي مواجهة عسكرية مع إيران بل كيف وصلت دوائر القرار في واشنطن وتل أبيب إلى قناعة تامة بأن إيران باتت محاصرة سياسيًا وعسكريًا وأن الضغوط المتراكمة التي مورست عليها إلى جانب إضعاف بعض حلفائها ستجعلها تقاتل وحدها .

الاعتقاد المتسرع والخاطئ بأن إيران ستجد نفسها وحيدة لم يكن وليد لحظة واحدة بل كان نتيجة تراكم تقديرات سياسية واستخباراتية رأت أن البيئة المحيطة بطهران أصبحت أكثر هشاشة وضعف حيث اعتقدت واشنطن وتل أبيب بأن العقوبات الاقتصادية الطويلة والضغوط السياسية المتواصلة واستنزاف حلفاء إيران في ساحات متعددة بالإضافة الى التطورات التي شهدتها سوريا ولبنان وغزة أنتجت واقعًا جديدًا يمكن فيه توجيه ضربة قوية لطهران مع تقليل احتمالات اتساع دائرة الصراع والمواجهة .

بمراجعة العديد من الخطط الاستخباراتية لاحقا ثبت ان هذا التقدير أغفل عاملًا أساسيًا وهو أن النفوذ الإقليمي لا يُقاس فقط بحجم القوات والأسلحة بل بعمق الشبكات السياسية والعسكرية التي تراكمت خلال سنوات طويلة وبقدرة هذه الشبكات على التكيف وإعادة تنظيم نفسها تحت الضغط والضربات .

العقل الامني الأمريكي الإسرائيلي استند في هذا التفكير إلى مجموعة من التطورات التي بدت في ظاهرها وكأنها تشير إلى تراجع قدرة محور المقاومة فمن جهة تعرض حزب الله لضربات كبيرة واغتيالات قاسية خلال المواجهات مع إسرائيل، ومن جهة أخرى شهدت الساحة السورية تحولات عميقة أثرت في خطوط الإمداد التسليحية والدعم المالي كما أن حركة حماس كانت مشغولة في خوض حربًا مدمرة داخل قطاع غزة بينما تعرضت معظم الفصائل العراقية ومليشيات الحوثيون في اليمن لضغوط عسكرية وسياسية متواصلة .

من هنا نشأ ذلك الاعتقاد بأن عناصر القوة الإيرانية في المنطقة أصبحت مجزأة وضعيفة وأن طهران عمليا قد فقدت القدرة الكاملة على فتح جبهات متعددة إذا ما تعرضت لهجوم مباشر لكن المشكلة في هذا التحليل أنه تعامل مع هذه القوى باعتبارها جزرًا منفصلة وبعيدة عن بعضها ويمكن إضعافها واحدة تلو الأخرى بينما تجاهل في الواقع طبيعة العلاقات التي تربط بينها باعتبارها شبكة إقليمية مترابطة قد تختلف في درجة التنسيق وطبيعة القرار لكنها تشترك في تصور استراتيجي عام للصراع .

لعل أحد أكبر المغالطات في الحسابات الأمريكية والإسرائيلية كانت الخلط بين تراجع القدرة الظاهرة وبين انتهاء القدرة الفعلية خاصة وان الحروب لا تُقاس فقط بعدد القادة الذين يتم استهدافهم أو حجم المنشآت التي يتم تدميرها وإنما بقدرة الطرف الآخر على الصمود وامتصاص الضربات والصدمات وإعادة بناء قدراته وتنظيم قواته وتغيير أساليبه بما يتناسب مع طبيعة المواجهة وهذه القاعدة ظهرت بوضوح في تجارب المنطقة خلال العقدين الماضيين حيث أثبتت قوى عديدة أن خسارة مواقع أو قيادات أو جزء من القدرات العسكرية لا تعني بالضرورة فقدان القدرة على التأثير السياسي والعسكري المؤثر .

في الحالة الإيرانية تحديدًا يبدو أن واشنطن وتل أبيب راهنتا على استراتيجية تقوم على تفكيك عميق لحلقات القوة المحيطة بطهران قبل الانتقال إلى الضغط المباشر عليها حيث كان إضعاف حزب الله وقطع خطوط الإمداد عبر سوريا وتقليص نفوذ الفصائل العراقية والضغط على الحوثيين جزءًا من تصور أوسع يهدف إلى تقليل قدرة إيران على الرد المباشر خارج حدودها .

واقعيا اصطدم هذا التصور اصطدم بحقيقة مختلفة وهي أن محور المقاومة رغم اختلاف ظروفه ومكوناته وتباين حساباته الداخلية لم يكن مجرد تحالف عسكري تقليدي له غرفة عمليات واحدة وأوامر مركزية بل كان شبكة نفوذ إقليمية لكل طرف فيها خصوصيته واستقلاليته مع وجود قاسم مشترك بينهما يتمثل في الاستعداد لمواجهة النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة عند الضرورة .

بناء على هذا التصور العملاتي المنظم ظهرت أهمية مفهوم وحدة الساحات الذي كان من أكثر المفاهيم التي أسيء فهمها في الحسابات الغربية والإسرائيلية عندما تعاملت بعض دوائر القرار مع هذا التكتيك باعتباره مجرد خطاب سياسي أو إعلامي بينما رأته الأطراف المقابلة باعتباره معادلة ردع جديدة تقوم على أن أي مواجهة كبرى مع طرف أساسي من المحور لن تبقى محصورة في جبهة واحدة بل ستشعل المنطقة بأكملها وتطال بالقصف المباشر القواعد الامريكية والاراضي الاسرائيلية معا سيما وان هذه المعادلة المستجدة لا تقوم بالضرورة على دخول جميع الأطراف في حرب شاملة في اللحظة الأولى وإنما تعمل على خلق حالة من عدم اليقين لدى الخصوم بحيث يصبح عليها أن يحسب مسبقًا احتمالات اتساع المواجهة وتعدد جبهاتها ومساراتها.

ربما هذا العامل تحديدًا هو ما جعل أي قرار امريكي او اسرائيلي بشن حرب واسعة على إيران أكثر تعقيدًا لأن الضربة الأولى مهما كانت قوتها لن تضمن بالنتيجة التحكم بمسارات الأحداث التالية مع الفهم بان الحروب الحديثة لا تبدأ فقط من لحظة إطلاق الصواريخ بل من اليوم التالي للضربة ومن القدرة على إدارة تداعياتها السياسية والعسكرية بعدها .

بعض المراقبين والمحللين يجدون ان خطأ واشنطن وتل أبيب لم يكن فقط في تقدير حجم القوة الإيرانية بل في سوء فهم البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها إيران حيث جرى التعامل مع إيران باعتبارها دولة يمكن عزلها عن محيطها التنظيمي والعقائدي والثوري بينما أثبتت التطورات أن طهران كانت قد بنت خلال العقود الماضية شبكات علاقات ونفوذ قوية ومتجذرة تجعل من أي مواجهة معها مرتبطة بحسابات إقليمية واسعة ومعقدة .

للحقيقة والمصداقية في التحليل والطرح لقد أظهرت السنوات الماضية أن الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في توجيه ضربات مؤلمة لبعض مكونات محور المقاومة لكنها لم تنجحا في تحقيق الهدف السياسي الأكبر وهو إنهاء قدرة هذا المحور على التأثير أو تحويل إيران إلى طرف معزول يخوض أي مواجهة منفردة .

في سوريا قبل تغيير النظام ورغم سنوات طويلة من الضغوط السياسية والعسكرية ومحاولات تغيير المعادلات الداخلية والإقليمية بقي النفوذ الإيراني حاضرًا بدرجات مختلفة وقد أثبتت التجربة أن إخراج طرف إقليمي من معادلة معقدة مثل سوريا ليس أمرًا سهلًا لأن النفوذ لا يرتبط فقط بالقواعد أو المواقع العسكرية بل يمتد إلى العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تراكمت عبر سنوات .

وفي اليمن جاءت تجربة الحوثيين لتشكل مثالًا واضحا على صعوبة الاحتواء ورغم كل الحملات العسكرية والضغوط الدولية تمكن الحوثيون من الحفاظ على قدرتهم على التأثير في معادلات أمن البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية وأصبحوا عاملًا لا يمكن تجاهله في أي حسابات إقليمية مرتبطة بالمواجهة بين إيران وخصومها.

أما في العراق فقد بقيت الفصائل القريبة من إيران لاعبًا مؤثرًا في المشهد السياسي والأمني رغم المحاولات المتعددة للحد من نفوذها أو دفعها إلى خارج معادلة التأثير الإقليمي وفي الحالة اللبنانية شكل حزب الله الاختبار الأكثر حساسية بالنسبة لإسرائيل وعلى الرغم من تعرضه لضربات قاسية وفقده لعدد كبير من قياداته وتضررت أجزاء هامة من بنيته العسكرية خلال المواجهات الأخيرة ظل السؤال الاستراتيجي المطروح أمام تل أبيب هل أدت هذه الضربات والاغتيالات والدمار إلى إنهاء قدرة الحزب على التأثير أم أنها لا والت تشكل مرحلة من مراحل الصراع الطويل الذي لم يُحسم بعد .

مع عودة قدرات البناء والتنظيم والجرأة على المواجهة برزت إحدى المعضلات الكبرى في الحسابات الإسرائيلية والامريكية بان إلحاق الضرر بالخصم لا يعني بالضرورة تحقيق انتصار استراتيجي عليه لان الانتصار في الحروب لا يقاس فقط بحجم الخسائر التي تلحق بالطرف الآخر وإنما بمدى القدرة على فرض واقع سياسي وأمني جديد ودائم وهذا ما واجهته واشنطن وتل ابيب في تجارب متعددة سابقا حيث تمكنت من تحقيق تفوق عسكري في لحظات معينة لكنها اصطدمت بصعوبة تحويل هذا التفوق إلى حسم سياسي نهائي .

كما أن أحد أهم عناصر القصور والعجز في القراءة الأمريكية والإسرائيلية بالنسبة لإيران كان الاعتقاد بأن مزيد من الضغط عليها سيؤدي تلقائيًا إلى تخلي حلفائها عنها أو تراجعهم عن دعمها متجاهلين ان العلاقة بين إيران وهذه القوى لم تقم فقط على المصالح الآنية أو الدعم العسكري المباشر بل تشكلت عبر سنوات طويلة من التداخل السياسي والأمني حتى أصبحت جزءًا من الحسابات الاستراتيجية الحيوية لكل طرف فيها .

وفي المقابل فإن هذا الري والتحليل لا يعني أن محور المقاومة يمتلك تفوقًا مطلقًا أو أن الطريق أمامه خالٍ من التحديات خاصة وان الولايات المتحدة وإسرائيل ما زالتا تمتلكان قدرات عسكرية وتكنولوجية ضخمة كما أن الضربات التي تعرضت لها بعض أطراف المحور كان لها تأثير فعلي على قوتها وقدراتها لكن النقطة الأساسية هي أن الضربات المتتالية لم تحقق الهدف الذي راهنت عليه واشنطن وتل أبيب بالانتقال من مرحلة إضعاف الخصوم إلى مرحلة عزل إيران وإنهاء قدرتها على إدارة نفوذ إقليمي واسع .

المشكلة أعمق في طريقة التفكير الاستراتيجي الأمريكي والإسرائيلي هي الاعتماد المفرط على فكرة الحرب القصيرة والحسم السريع فقد نجحت هذه العقيدة في بعض المواجهات التقليدية لكنها تواجه لا زالت تواجه تحديًا كبيرًا أمام خصوم عنيدون يعتمدون على حرب الاستنزاف وتعدد الجبهات والقدرة على امتصاص الضربات وإعادة بناء القوة ومواصلة القتال .

لقد أثبتت تجارب العراق وأفغانستان وكذلك تجارب إسرائيل في غزة ولبنان أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لتحقيق الأهداف السياسية فالولايات المتحدة تمكنت من إسقاط أنظمة، لكنها اكتشفت لاحقًا أن بناء ترتيبات مستقرة تحقق أهدافها أكثر صعوبة بكثير من إسقاط الخصوم وإسرائيل واجهت معادلة مشابهة حيث لم يكن التفوق الجوي والقوة النارية كافيين لإنهاء حركات وجماعات تعتمد على المرونة والانتشار والقدرة على إعادة التكيف بسرعة قياسية .

امام كل ذلك يبقى السؤال الحقيقي الذي يواجه واشنطن وتل أبيب ليس فقط هل تستطيعان توجيه ضربة عسكرية لإيران بل ماذا سيحدث بعد هذه الضربة وهل يمكن السيطرة على مسار التصعيد إذا قررت ساحات أخرى الدخول على خط المواجهة وربما يكون الدرس الأهم الذي فرضته هذه التحولات أن عصر الحروب التي تُحسم بضربة خاطفة أو بتفوق عسكري منفرد بدأ يتراجع والخصوم اليوم لا يُقاسون فقط بما يملكونه من طائرات وصواريخ بل بما يملكونه من قدرة على الصمود وإعادة التنظيم وفتح مساحات جديدة للمواجهة.

جوهر الإخفاق الاستراتيجي الامريكي والاسرائيلي لم يكن في سوء تقدير قوة الخصم فقط بل في عدم فهم البيئة التي يتحرك فيها والمواجهة مع إيران لم تعد مواجهة بين دولة واحدة وخصومها فقط وإنما أصبحت اختبارًا لقدرة القوى الكبرى على التعامل مع نظام إقليمي جديد أكثر تعقيدًا تتداخل فيه الجغرافيا والسياسة والقدرات العسكرية وشبكات التحالف .

ختاما : إن السؤال الذي بدأ به هذا المقال يعود ليطرح نفسه بقوة لماذا اعتقدت واشنطن وتل أبيب أن إيران ستقاتل وحدها وربما تكون الإجابة أن الخطأ لم يكن في نقص المعلومات الاستخباراتية المشتركة بل في طريقة تقيمها وتفسيرها والبناء عليها حين رأت القوتين ان عزلة ايران واقعة حيث كان هناك امتداد وعندما تصورتا ان التفكك حاصل حيث كان هناك إعادة تنظيم ولما توهمتا بان التراجع المؤقت في القوة بانه نهاية لقدرات استراتيجية ما يثب باليقين عدم فهم طبيعتها الكاملة بعد .

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية

[email protected]