التفكير بصوت عالٍ
مقالات
التفكير بصوت عالٍ
محمود موالدي
9 آب 2026 , 09:44 ص

تُعدّ "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" التي وُقّعت في قصر الصفا بمكة يوم الجمعة 7 آب 2026 بين ولي عهد النظام السعودي محمد بن سلمان، ورئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف تحولاً استراتيجياً بارزاً في هندسة الصراع الأمنية لمنطقة غرب وجنوب آسيا.

وعلينا أن نقف عند بعض تفصيلات هذا الاتفاق، وأبعاده، والأطراف المستفيدة، وانعكاساته الإقليمية وخاصة السورية.

يقوم الاتفاق الثلاثي على بنود محورية تمسّ الأمن الجماعي والردع الاستراتيجي كما يدعي القائمون عليه.

ينص الاتفاق صراحة على أن "أي هجوم مسلح يستهدف أي دولة من الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً"، وهو ما يُكسب الاتفاق بعداً ردعياً يشبه البند الخامس في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

التكامل بين عناصر الاتفاق الثلاث:

فالسعودية القوة المالية والاقتصادية، والثقل السياسي والديني، مع التوجه نحو تنويع خيارات الأمن القومي وتوطين الصناعات العسكرية.

و تركيا القوة التكنولوجية والصناعية الدفاعية المتطورة (الطائرات المسيرة، الأنظمة الصاروخية، والتصنيع الحربي)، بكونها تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو.

و باكستان الخبرة التشغيلية، القوة البشرية العسكرية الضخمة، إضافة إلى كونها الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي تمتلك سلاحاً نووياً. لكن بعد هذا التكامل ما هي مجالات التعاون

والتنسيق العسكري الاستراتيجي بعيداً عن التدريبات المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية ونقل التكنولوجيا الدفاعية وغيرها من العناوين التي طُرحت أم أنه ربط أمريكي محكم بانتظار التغيير القادم وجعل الرياض مقراً لعمليات هذا الاتفاق؟ فإذا حيّدنا التوجيه الأمريكي وهذه الفرضية الخيالية كون هذه الأنظمة كلها تخضع للمعلم "ترامب" علينا أن نعرف من المستفيد..؟

حققت الدول الثلاث منافع بنيوية ناهضة ومتكاملة تتجاوز التعاون الثنائي القائم سابقاً.

فالنظام السعودي: حصل على مظلة ردع موسعة تعزز أمنه القومي وأمن منشآته الحيوية وممراته البحرية في حال الغياب الأمريكي أو انخفاض الاهتمام الغربي المباشر للحماية، إلى جانب التعويض بالتكنولوجيا الدفاعية التركية والخبرة العسكرية الباكستانية.

النظام التركي: عزز موقعه كمصنّع ومورد رئيسي للتكنولوجيا العسكرية، ووسّع عمقه الجيوسياسي في الخليج وجنوب وغرب آسيا، واستقطب استثمارات وشراكات اقتصادية ودفاعية سعودية طويلة المدى.

جمهورية باكستان الإسلامية أمّنت غطاءً اقتصادياً قوياً من أكبر اقتصاد في المنطقة (السعودية)، ووسعت شراكتها التكنولوجية العسكرية مع أنقرة، مما يرفع من قيمتها الاستراتيجية إقليمياً، هذا في حال طُبق الاتفاق وكان محض إرادة هذه الأنظمة، لكن انعكاس هذا الاتفاق على

دول المنطقة والمنظومة السنية الإقليمية ماهو..؟ إيجاد توازن قوى يمنع الفراغ الناجم عن تحولات السياسة الأمريكية في غرب آسيا، وخلق جدار سياسي وأمني وعسكري في وجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

يأتي هذا الاتفاق في ظل الحرب العدوانية الصهيو-أمريكية في المنطقة

وشراسة المواجهات وحرب الظلال بين الصين وأمريكا وإعادة رسم لخارطة النفوذ، مما يترك أثراً مباشراً على مجريات الصراع، وبالحقيقة وهو انعكاس عملياتي لقمة (الناتو) في أنقرة وتنفيذ للسيناريو الأمريكي في

إعادة تشكيل ميزان الردع بوجه جبهة إرادة الشعوب المناهضة للمشروع الأمريكي الممثل بالتحالف الإيراني.

يريد النظام السعودي الفاقد للقدرة على المواجهة

توجيه رسالة قوية بعدم إمكانية الاستفراد بجهة خليجية أو الإضرار بالأمن البحري الممتد من الخليج إلى البحر الأحمر والبحار المجاورة، حيث تضع الاتفاقية ثقلاً دفاعياً يضم ثلاث دول محورية في وجه أي تصعيد إقليمي.

الحد من هامش المناورة للحركات الشعبية المقاومة ولجمها في مواجهة الكيان وتصدير صورة أن

وجود تكتل دفاعي ثلاثي يجمع التكنولوجيا التركية والثقل المالي السعودي والقدرة الباكستانية يفرض قيوداً وضوابط جديدة على أي تمدد أو حملة عسكرية قد تستهدف الدول الداعمة لمشروع شرق أوسط الجديد، ويشكل قوة كرتونية توهم بها شعوب المنطقة لمواجهة التوسع الإسرائيلي، لكنه بالحقيقة لا يعبر عن

الاستقلالية عن الاستراتيجية الأمريكية:

يعكس الاتفاق توجهاً أمريكياً للقوى الإقليمية لإنشاء "هندسة أمنية ذاتية" للشرق الأوسط، تتولى إدارة أزمات المنطقة والحد من اتساع رقعة الصراع دون الاعتماد الكلي على الضمانات الأمريكية وخفض التكلفة عليها.

فيما تتجلى انعكاسات الاتفاق على الواقع السوري وسلطة "الجولاني" الإرهابية

بالنظر إلى الدور التركي المحوري فيه وهو

تثبيت المظلة والأولوية لتركيا في السوري.

بما أن تركيا طرف رئيسي ومكفول دفاعياً في الاتفاق الثلاثي، فإن أي تهديد لنفوذها أو حدودها الجنوبية يكتسب بعداً إقليمياً أوسع. هذا الأمر يمنح المناطق الخاضعة للسيطرة التركية الكلية مثل "حلب" ركيزة النظام التركي والعمل على

استكمال النفوذ مع النظام السعودي وخنق أي صحوة شعبية أو حراك تحرري بشكل مستقبلي.

إن التقارب بين النظام السعودي والتركي يعزز الرؤية المشتركة لتشديد الضغط على النفوذ الإيراني الروسي المستقبلي في سوريا وتأكيد العمل وفق الأطماع المشتركة بين النظامين التركي و السعودي

إن أي فرضية لهذا الاتفاق تقع في خدمة أجندات الاحتلالات المتعددة في منطقتنا وخدمة للمشروع الأمريكي والإسرائيلي وعلينا أن لا نقلل من هذا الدور أو نسخف تحالف المهزوم والعاجز والمصلحي.

فالتاريخ لا يرحم الضعفاء ولا ينصف المقصرين.

#محمود_موالدي