بقلم :- راسم عبيدات
نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية، التي يرأسها جدعون ساعر، خريطة إحصائية ظهر فيها الجزء المحتل من جنوب لبنان مقتطعاً من الخريطة اللبنانية ومدمجاً بالمساحة الإسرائيلية. وتزداد خطورة الخريطة لأنها تأتي في قلب مسار التفاوض الجاري مع السلطة، وبعد توقيع اتفاق يفترض أنه تتويج لمسار الدبلوماسية لاستعادة السيادة اللبنانية كما تقول السلطة، وبعد اعتماد مفردة «إعادة الانتشار» بدلاً من الانسحاب. تقدم الخريطة تفسيراً بصرياً لمشروع المنطقة الأمنية؛ فالأرض المحتلة لا تظهر أرضاً لبنانية تخضع لاحتلال مؤقت، بل مساحة يجري دمجها تدريجياً بـ"إسرائيل".
ما تم نشره من قبل وزارة الخارجية الإسرائيلية، ليس خطأ تقنياً، بل هو تعبير عن حقيقة الموقف الرسمي الإسرائيلي، فالقيادات العسكرية والسياسية الإسرائيلية، في تصريحات عديدة لها،قالت بأن خريطة اسرائيل الكبرى ومشروعها،يجب ان تشمل فلسطين التاريخية واجزاء من جغرافيا الأردن وسوريا ولبنان والعراق وصولاً الى أراضي مصر والسعودية،ويلتقي مع هذا الطرح قادة امريكا وفي المقدمة منهم الرئيس ترمب ووزير حربه هيغست والمقبور عضو مجلس الشيوخ الأمريكي الجمهوري غرهام ليندسي وسفيره في تل ابيب الصهيوني المسيحي مايك هاكابي،حيث قال ترامب بأن "إسرائيل" دولة صغيرة على الخارطة يجب ان تتوسع،و"إسرائيل" في مفاوضاتها مع السلطة اللبنانية، لا تستخدم كلمة انسحاب،بل إعادة انتشار،وقادتها يؤكدون بأنها لن تنسحب من الجنوب،وستبقي على منطقة امنية،وتكون بمثابة منطقة اقتصادية، تشكل حماية لمستوطناتها الشمالية،وهي تكريس الضم،كما فعلت في سوريا، بالإبقاء على منطقة امنية في جنوب سوريا التي جرى إحتلالها بعد قيام النظام السوري الجديد،وضم الجولان السوري المحتل،وأيضاً بموافقة وقرار أمريكي ،وهي تفعل نفس الشيء،وفي إطار توزيع الأدوار ما بين اسرائيل وأمريكا ، أمريكا تطرح خطة وتعلن نفسها "وسيط" وضامن لإتفاقيات لا تعترف ولا تلتزم بها اسرائيل،وتعمل امريكا على تعديلها وبما يتفق مع المطالب والمصالح والرؤيا الإسرائيلية الأمنية والعسكرية.
اتفاق تشرين ثاني/2024،بين اسرائيل ولبنان، اتفاق 17كانون ثاني /2025 بين اسرائيل وفصائل المقاومة في قطاع غزة، وخطة ترامب ذات ال 15 نقطة،والتي رفضها نتنياهو.ليس فقط إرتباطاً بالإنتخابات الإسرائيلية في السابع والعشرين من تشرين اول القادم،وعدم منحه ترمب إنجازاً غير قادر على تسويقه أمام جمهور اليمين،بل تعبير عن قناعات وأيدولوجيا صهيونية تلمودية توراتية،قائمة على التوسع والضم والإستيطان، فهناك جماعات ومنظمات صهيونية،اجتازت الحدود السورية واللبنانية أكثر من مرة، بغرض إستكشاف إمكانية اقامة مستوطنات في أراضي الدولتين،وهناك أيضاً دعوات صريحة من قادة في حكومة الإحتلال منهم بن غفير وسموتريتش وعميحاي الياهو واوريت ستروك وعيديد سلمان، بالعودة الى الإستيطان في قطاع غزة.
الحكومة اللبنانية التي تخوض مفاوضات مباشرة مع دولة الإحتلال،قدمت فيها الكثير من التنازلات، تحت شعار بأن المفاوضات والضغوط الدبلوماسية والسياسية،والبكاء على صدر الأمريكي لأنه "يحب" لبنان،بلغة وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي،ستقود الى تحقيق لبنان لأهدافه بوقف العدوان وانهاء الإحتلال وإنسحاب اسرائيل من الأراضي اللبنانية وإطلاق سراح المعتقلين وعودة النازحين والبدء بعمليات الإعمار.
المفاوضات المستمرة والتي وصلت جولتها السابعة في روما، لم تثمر في قبول اسرائيل في تحديد مناطق تجريبية جديدة لكي تنسحب منها،وفي المناطق التجريبية الثلاثة، زوطر الغربية وفرون وصريفا،والتي لم يكن فيها تواجد عسكري اسرائيلي، لم تسمح اسرائيل لسكانها بالعودة اليها،وهي تريد ان تكون جزء من عملية تحقق بنزع سلاح حزب الله، ضمن أي لجنة تشكل لهذا الغرض،أي أنها تريد ان يكون الجيش اللبناني تحت وصايتها ويأتمر بأوامرها،ولذلك بعد كل هذه الجولات التفاوضية المباشرة،والتي لم تثمر عن أي نتيجة،بات من الملح ان يكون هناك مواقف لبنانية حازمة، مواقف تطالب امريكا بأن تعترف وتقر علناً بأن مرجعية تلك المفاوضات،هي الحدود الدولية،وأن الإنسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية،يجب ان يكون مسقوف زمنياً ،وأن الأولوية لتحقيق ذلك الإنسحاب،وليس لنزع سلاح الحزب والمقاومة،وإلا فإنه كما يقول" المأثور الشعبي " إكرام الميت دفنه"،إغلاق بوابة التفاوض العبثي، الذي الحق الضرر بحقوق لبنان وبوحدته الوطنية وسلمه الأهلي .
فمسرحية المناطق التجريبية والتحقق من نزع سلاح الحزب والمقاومة يجب ان تنتهي،فالإنسحاب من 217 بلدة وقرية لبنانية محتلة، وبحسبة بسيطة،كل ثلاثة قرى تحتاج الى اربعة شهور، والإنسحاب الإٍسرائيلي من تلك القرى والبلدات سيتحقق بعد 24 عام وأربعة شهور.
هذه المهزلة يجب ان تنتهي،.فهي جردت الموقف اللبناني من أوراق قوته ومقاومته،حيث اعتبر لبنان الرسمي المقاومة اللبنانية، بأنه السبب في عدم وقف العدوان الإسرائيلي وعدم تحقيق الانسحاب الإسرائيلي، متهماً إياها بأنها تخوض حروب الغير على الأرض اللبنانية،ولتضح الحقيقة الآن،فالمقاومة دوماً كانت ملتزمة بوقف إطلاق النار،والنتيجة لا وقف للعدوان ولا إنسحاب اسرائيلي ولا اطلاق سراح اسرى،بل وحتى رفض تحديد لمناطق تجريبية جديدة للإنسحاب منها.
ندد "حزب الله" بالخريطة، معتبراً أنها تؤكد الأطماع الإسرائيلية في جنوب لبنان. لكن السؤال الأهم يتعلق بموقف السلطة التي دخلت التفاوض تحت عنوان استعادة الأرض؛ فهل تطلب سحب الخريطة واعتذاراً إسرائيلياً مكتوباً يعترف بلبنانية كامل الأراضي الواقعة شمال الحدود الدولية، أم تواصل التفاوض كأن شيئاً لم يحدث؟.
وهنا لا يكفي بيان استنكار تقليدي؛ لأن الخريطة تمس أساس التفاوض نفسه. والموقف الطبيعي هو التهديد بتعليق الجولة المقبلة، لا إنهاء المسار، حتى تسحب "إسرائيل" الخريطة ويؤكد الوسيط الأميركي أن مرجعية المفاوضات هي الحدود الدولية. أما الصمت فيعني أن السلطة تقبل التفاوض على ترتيبات أمنية فوق أرض بدأت «إسرائيل» تمحو لبنانيته.
فلسطين – القدس المحتلة
10/8/2026