نموذج ذكاء اصطناعي يرسم خريطة للورم لتحسين علاج السرطان
دراسات و أبحاث
نموذج ذكاء اصطناعي يرسم خريطة للورم لتحسين علاج السرطان
11 آب 2026 , 17:58 م

الورم ليس مجرد مجموعة من الخلايا السرطانية ، إذ تؤثر الخلايا المناعية والأوعية الدموية والأنسجة المحيطة به في طريقة نمو السرطان واستجابته للعلاج.

ويمكن لورمين يحتويان على أنواع الخلايا نفسها أن يستجيبا بشكل مختلف تماما للعلاج نفسه، اعتمادا على الطريقة التي تتوزع بها هذه الخلايا وتتفاعل داخل النسيج.

وتتيح البروتيوميات المكانية دراسة هذا التنظيم الداخلي للنسيج على المستوى الجزيئي، لكنها تنتج كميات كبيرة من البيانات التي تتضمن متغيرات عديدة، ما يجعل تفسيرها ومقارنتها بين الدراسات المختلفة أمرا صعبا.

نموذج ذكاء اصطناعي لفهم الأنسجة

لمواجهة هذه المشكلة، طور فريق مجموعة الذكاء الاصطناعي في الطب الجزيئي بقيادة شارلوت بونه في كلية علوم الحاسوب والاتصالات وكلية علوم الحياة في المدرسة الفدرالية التقنية العليا في لوزان EPFL نموذجا أساسيا لعلم الأنسجة أطلق عليه اسم Virtual Tissues أو VirTues.

ويتعلّم النموذج من بيانات البروتيوميات المكانية التي جرى جمعها من دراسات مختلفة وأنواع متعددة من السرطان.

ويمكن استخدام VirTues لدراسة بيولوجيا الأنسجة على مستويات مختلفة، بدءا من الخلايا الفردية، مرورا بمقاطع الأنسجة الكاملة، وصولا إلى النتائج الصحية للمرضى.

ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature

قياس عشرات البروتينات في وقت واحد

قالت شارلوت بونه إن معرفة الخلايا الموجودة داخل الورم لا تمثل سوى جزء من الصورة الكاملة، إذ يجب أيضا معرفة أماكن وجود هذه الخلايا وكيفية تفاعلها مع بعضها.

وتصبح الإجابة عن هذه الأسئلة لدى أعداد كبيرة من المرضى مشكلة حسابية معقدة بقدر ما هي مشكلة بيولوجية.

وقال أندرياس ويكي، اختصاصي الأورام في جامعة زيورخ والمستشفى الجامعي في زيورخ، والمشارك في الدراسة، إن كمية البيانات الناتجة عن تحليل الأنسجة في مجال الأورام ازدادت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.

وأوضح أن النمذجة الحاسوبية تمثل أداة أساسية لتحويل هذه البيانات إلى معلومات يمكن استخدامها عمليا لمصلحة المرضى في البيئة السريرية.

مقارنة عينات السرطان ضمن إطار واحد

يستطيع نموذج VirTues التعامل مع البروتينات التي جرى قياسها في دراسات وأنواع مختلفة من السرطان، وكذلك ضمن مجموعات مختلفة من البروتينات المستخدمة في التحليل.

وهذا يعني أنه يمكن مقارنة أي عينة نسيجية جديدة وتحليلها ضمن الإطار نفسه، بدلا من الحاجة إلى إنشاء نموذج جديد من البداية لكل دراسة.

كما أن كل دراسة جديدة يمكن أن تضيف إلى المعرفة التي تعلمها النموذج وتوسع تمثيله للبيانات.

وقال يوهان وينكشتيرن، طالب الدكتوراه في مجموعة بونه والمؤلف الأول للدراسة، إن هذه المرونة تعد واحدة من أكبر نقاط قوة VirTues.

وأوضح أن النموذج يسمح بدمج مجموعات البيانات المختلفة في أطلس واحد، وتحليل الأنسجة من دراسات متعددة بالطريقة نفسها، إضافة إلى التحقق بسرعة من الاكتشافات لدى مجموعات مختلفة من المرضى.

نموذج يشبه الذكاء الاصطناعي للغة

يمكن استخدام بيانات الأنسجة للإجابة عن مجموعة واسعة من الأسئلة البيولوجية والسريرية، لكن معظم النماذج الحاسوبية مصممة للإجابة عن سؤال واحد أو تنفيذ مهمة محددة في كل مرة.

أما VirTues فيعمل بطريقة مشابهة لنماذج الذكاء الاصطناعي الأساسية المستخدمة في مجال اللغة.

فبدلا من تدريبه لأداء مهمة واحدة محددة مسبقا، يتدرب النموذج على نطاق واسع، ولا يتعلم العلاقات بين الكلمات كما تفعل نماذج اللغة، بل يتعلم العلاقات بين البروتينات والخلايا والسياق المكاني الذي توجد فيه.

وبذلك ينشئ النموذج تمثيلا مشتركا يمكن استخدامه في تحليلات مختلفة.

إنجازان رئيسيان

قالت بونه إن VirTues يستطيع، باعتباره أداة للتحليل، التعامل مع أسئلة كان المختبر سيحتاج في العادة إلى استخدام طرق منفصلة للإجابة عنها.

ويمكن للباحثين استخدام النموذج لمقارنة مجموعات المرضى، وتحديد الأنماط المكانية التي تميز بينها، واكتشاف مؤشرات حيوية مكانية مرتبطة بتطور المرض والاستجابة للعلاج.

وبالتالي، يمكن أن يتغير السؤال الذي يريد الباحث الإجابة عنه، بينما يبقى النموذج الأساسي نفسه.

وحقق فريق البحث إنجازين رئيسيين في تطوير VirTues.

أولا، جمع الباحثون أكبر مجموعة بيانات مفتوحة من قياسات البروتيوميات المكانية حتى الآن، وتضم أكثر من 12 ألف صورة مأخوذة من أكثر من 5 آلاف مريض ضمن 31 مجموعة سريرية.

ثانيا، طور الفريق بنية جديدة تعتمد على تقنية Transformer، وهي نوع من نماذج الذكاء الاصطناعي المصممة لتعلم الأنماط المعقدة من مجموعات البيانات الكبيرة.

وتسمح هذه البنية لنموذج VirTues بالتعلم من بيانات البروتيوميات المكانية القادمة من دراسات مختلفة، حتى عندما تكون مجموعات البروتينات التي جرى قياسها مختلفة من دراسة إلى أخرى.

نحو علاج أكثر دقة للسرطان

قال أوليفييه ميشيلان، رئيس قسم علاج الأورام الدقيق في مستشفيات جامعة جنيف وأستاذ في جامعة جنيف، والمشارك في الدراسة، إن إمكانات هذا النوع من النماذج الأساسية في مجال علاج الأورام الدقيق كبيرة للغاية.

ويمكن أن تمتد هذه الإمكانات من الفهم عالي الدقة لأنواع الخلايا الموجودة داخل الورم وحالاتها، وصولا إلى تحسين اختيار العلاج المناسب لكل مريض.

ويرى ميشيلان أن إدخال VirTues ضمن مجالس علاج الأورام الدقيق المحلية والوطنية يمكن أن يكون خطوة طبيعية تالية.

بناء مريض افتراضي بالذكاء الاصطناعي

تأتي هذه الدراسة ضمن مشروع أكبر يمتد لخمس سنوات ويحمل اسم «مختبرات المريض الافتراضي: المحاكاة والتشخيص بالذكاء الاصطناعي لعلاج الأورام الدقيق».

وحصلت بونه على جائزة لوبيز لوريتا لعام 2026 عن هذا المشروع، الذي يهدف إلى إنشاء نموذج حاسوبي عملي لبيولوجيا شخص واحد، اعتمادا على بياناته الخاصة.

ويفترض أن يكون النموذج مفصلا بدرجة تسمح للأطباء باستخدامه للتنبؤ بكيفية تطور المرض، وتحديد العلاج الأكثر احتمالا لتحقيق نتيجة جيدة.

ويمثل VirTues المكون الخاص بالأنسجة في هذا المشروع، على أن يجري دمجه مع نتائج علم الأمراض الروتينية، والمعلومات الوراثية، والبيانات السريرية، وغيرها من السجلات الطبية الخاصة بالمريض.

من وصف الورم إلى التنبؤ باستجابته للعلاج

قالت بونه إن الأطلس لا يكون مفيدا سريريا إلا إذا أمكن وضع المريض الجديد ضمنه.

وبذلك يمكن تحليل عينة مأخوذة من مريض في جنيف ومقارنتها بآلاف العينات التي جرى جمعها في أماكن أخرى، ما يضع عينة النسيج الفردية ضمن سياق بيولوجي وسريري أوسع بكثير.

لكن وصف الحالة البيولوجية للمريض يمثل الخطوة الأولى فقط.

أما التحدي الأكبر فهو الانتقال من مجرد وصف حالة النسيج إلى التنبؤ بكيفية تغيره عند إعطائه علاجا محددا.

ويركز العمل خلال السنوات المقبلة على اختبار ما إذا كان هذا النوع من التنبؤات قادرا بالفعل على تحسين القرارات الطبية والسريرية المتعلقة بعلاج مرضى السرطان

المصدر: مجلة nature