عبد الحميد كناكري خوجة: ميزان الميدان.. بين إيران وقوى الغطرسة والعدوان.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: ميزان الميدان.. بين إيران وقوى الغطرسة والعدوان.

« حين يتهاوى ضجيج الخطاب أمام صمت الواقع، ويغدو الميدان قاضيا لا يحابي، توزن الإرادات بقدرتها على الصمود، لا يعلو التهديد؛ فهناك تسقط الأقنعة وأوراق التوت، وتنحسر الدعاية، ويظهر معدن القوة حين يختبر بالصبر والنار.»

حين يتحدث الميدان

في زمن تتسابق فيه البيانات إلى واجهة المشهد، تبقى ساحات الوغى والميدان أصدق من البيان، والواقع أبلغ من الادعاء. فالحرب لا تحسم دائما بمن يضغط الزناد أولا، ولا بمن يمتلك السلاح الأحدث، وإنما بمن يستطيع امتصاص الصدمة، واستعادة التوازن، وحماية قراره من أن يختطف تحت وطأة اللهب. ومن هنا، تبدو بلاد ابن سينا والخيام والشيرازي أبعد من أن تختزل في ترسانة أو خريطة؛ وأنها دولة ذات تاريخ عميق، وشعب شديد التعلق بأرضه، ووعي متراكم بأن المعركة لا تستهدف مجرد منشآت، بل بإرادة وطن وموارد وثروات وموقع استراتيجي ظل محط تنافس قوى الأطماع الاستعمارية والهيمنة الدولية.

بلاد فارس صمود يتجاوز الصدمة

لم يكن الرهان على تفكيك إيران أمرا يسيرا؛ فشعب موطن الصناعات والعلوم والتقنية، على اختلاف اتجاهاته، يدرك أن الوطن حين يصبح مستهدفا تتقدم الهوية على الخلاف، ويرتقي إلى العلا مؤشر وحدة المصير على تباين المواقف. وهنا يتحول الصبر من فضيلة أخلاقية إلى قدرة إستراتيجية، ويتحول التماسك الجماهيري إلى جدار هيهات ثم هيهات أن تهدمه الصدمة الأولى.

الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست مجرد قوة عسكرية بل دولة تتكامل فيها الجغرافيا والتاريخ والحضارة والموارد، وتستند إلى مجتمع متجذر في أرضه، ووعي راسخ بقيمة السيادة واستقلال القرار. إنها جغرافيا مهيبة تمتد من سواحل الخليج وبحر عمان إلى الجبال والسهول، ومن غابات الشمال، إلى صحارى الجنوب، وفيها ثراء طبيعي وحضاري بالغ التنوع؛ مدن عتيقة عريقة، وأسواق نابضة، وآثار شامخة تختزن في حجارتها قرونا من التاريخ. وطبيعة تجمع الجبل والبحر والصحراء والغابة في لوحة منمنمة واحدة. وفي قلب ذلك كله تقف عاصمة بلاد فارس طهران، مدينة لا تختصرها عواصف الحرب ولا تطمس نبضها.

وحتى حين تتكاثف الرياح، تستمر الحياة في دورتها؛ فالمترو الطهراني الذي يمثل شريانا حيويا للحياة اليومية، ظل حاضرا في حركة المدينة إلى وقت كتابة هذه السطور، ناقلا السكان والرواد والزائرين، في صورة تختصر معنى أبلغ: أن الحياة حين ترفض رفضا قاطعا الانحناء تصبح في ذاتها فعل مقاومة.

أما عسكريا، فقد أظهرت المواجهة والمعمعة أن التفوق النوعي لا يكتفي وحده لصناعة الحسم. فقد امتلك هذا البلد المترامي الأطراف القدرة على الاستمرار والرد وإعادة ترتيب أوراقه، بما جعل تحويل الضربة القاسمة إلى انهيار.

أو الضغط إلى استسلام، أمرا بعيد المنال. وهذا يتضح جوهر المسألة: إذا كان الهدف العدائي كسر الإرادة الوطنية، أو شل الدولة، أو إخضاع القرار السيادي، أو الاستيلاء على مقدرات بلاد فارس، فإن استمرار الدولة وتماسك مجتمعها وقدرتها على الرد يعني أن جوهر ذلك الهدف لم يتحقق.

حين تنتصر الإرادة.

قد تبدأ الحرب بصاروخ، وقد تصنع التكنولوجيا صدمة أولى، لكن النصر الحقيقي يحتاج إلى كسر الإرادة الوطنية وفرض النتيجة. وهذا ما يجعل الصمود الإيراني أكثر من مجرد احتمال للخسائر؛ إنه قدرة على البقاء، وإعادة التموضع، ومواصلة القرار المستقل. فمسقط رأس حافظ والسعدي والفردوسي التي بقيت واقفة، وشعبها الذي أدرك طبيعة الاستهداف، ومدنها التي واصلت نبضها، وطبيعتها التي ظلت شاهدة على عراقة المكان، جميعها تنطق بلسان الحال ما تعجز عنه البيانات عن قوله: قد يصيب العدوان هدفا، لكنه لا ينتصر مالم يصيب الإرادة. وقد تدك جدران أو تهدم حصون، لكن الوطن لا يهدم أو يهزم مادام أهله متماسكين. وهنا، حين يهدأ الضجيج وتتكلم النتائج، يستعيد الميزان حكمه: لم تكن المعركة على من يملك الضربة الأولى، بل على من يملك قدرة النهوض بعدها، فإيران بقيت منتصبة القامة.

« وفي ميزان الميدان، تبقى إيران وطنا يرى بالقلب، ويزار بثقة، وتكتشف روعتها، وتروى حكايتها بإنصاف لا بضجيج الخصومة.»

كاتب سوري حر في الغربة.