اكتشف علماء بروتينا يساعد طفيلي التوكسوبلازما على البقاء داخل الدماغ ومقاومة الظروف الصعبة التي يواجهها عندما يتجمع بأعداد كبيرة داخل الخلايا، وهو اكتشاف قد يساهم مستقبلا في تطوير أدوية جديدة لعلاج العدوى المزمنة.
وتعد التوكسوبلازما، أو Toxoplasma gondii، من أكثر الطفيليات انتشارا في العالم، إذ تصيب مئات الملايين من الأشخاص. وعادة ما يمر داء التوكسوبلازما بأعراض خفيفة، لكنه قد يؤدي إلى أعراض شديدة لدى الأشخاص الذين يعانون من ضعف في جهاز المناعة، وكذلك لدى الجنين في حال إصابة المرأة بالعدوى أثناء الحمل.
وفي حالات العدوى المزمنة، تتجمع مئات الطفيليات داخل خلية واحدة في الدماغ أو العضلات، وتشكل ما يعرف باسم الكيسة النسيجية. ويؤدي هذا التكدس إلى ظروف أكثر صعوبة بالنسبة للطفيليات، إذ يصبح الحصول على العناصر الغذائية أكثر تعقيدا، وتتراكم الفضلات، كما يمكن للتفاعلات التي تنتج الطاقة داخل الخلايا أن تسبب أضرارا.

وكانت كيفية تكيف التوكسوبلازما مع هذه الظروف المجهدة غير واضحة حتى الآن.
بروتين يحمي الطفيلي
أظهرت دراسة جديدة أن الطفيلي يستخدم بروتينا يعرف باسم TgPRO، يساعده على التعامل مع الإجهاد التأكسدي، وهو حالة تنتج عن تراكم أنواع نشطة من الأكسجين يمكن أن تسبب أضرارا للخلايا.
وأجرى علماء من معهد وايتهيد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT فحصا جينوميا باستخدام تقنية CRISPR، وقارنوا بين سلوك التوكسوبلازما عندما تكون كثافة الطفيليات منخفضة وعندما تكون مرتفعة.
ووجد الباحثون أن بروتين TgPRO يصبح مهما بشكل خاص عندما تكون الطفيليات متكدسة داخل الخلايا. فعندما يفتقد الطفيلي هذا البروتين، تتراكم لديه كميات أكبر من أنواع الأكسجين النشطة، بينما تتراجع كفاءة عمل الميتوكوندريا، وهي الأجزاء المسؤولة بشكل أساسي عن إنتاج الطاقة داخل الخلية.
كما تصبح الطفيليات التي تفتقر إلى TgPRO أقل قدرة على منافسة الطفيليات الأخرى الموجودة في البيئة نفسها.
دور TgPRO داخل الخلية
تبين أن TgPRO هو بروتين يرتبط بجزيئات RNA، وهي جزيئات تؤدي أدوارا أساسية في نقل وتنظيم المعلومات الجينية داخل الخلايا.
ويساعد البروتين على تثبيت الإشارات الجزيئية المرتبطة باستخدام العناصر الغذائية، ونشاط الميتوكوندريا، وتجميع عناقيد الحديد والكبريت، وهي تراكيب ضرورية لعمل العديد من الإنزيمات داخل الخلايا.
وأجرى الباحثون تجارب خفضوا خلالها مستوى الأكسجين، في محاولة لمحاكاة الظروف الموجودة بصورة أكبر داخل أنسجة الجسم.
وعندما انخفض مستوى الأكسجين، تراجع الإجهاد التأكسدي، وتمكنت الطفيليات التي تفتقر إلى TgPRO من استعادة قدرتها على النمو. وتشير هذه النتيجة إلى أن المشكلة الأساسية التي يواجهها الطفيلي عند فقدان هذا البروتين ترتبط بدرجة كبيرة بالإجهاد التأكسدي الناتج عن البيئة التي يعيش فيها.
تجارب على الفئران
اختبر الباحثون أيضا أهمية البروتين في الكائن الحي باستخدام الفئران.
وأظهرت النتائج أن الفئران التي أصيبت بطفيليات تفتقر إلى TgPRO الوظيفي تكون لديها أكياس نسيجية أصغر في الدماغ مقارنة بالحالات التي تحتوي فيها الطفيليات على البروتين الوظيفي.
وتدعم هذه النتيجة الدور الذي يؤديه TgPRO في مساعدة التوكسوبلازما على الاستمرار داخل الدماغ خلال العدوى المزمنة.
آلية مختلفة عن الكائنات الأخرى
وجد الباحثون أن TgPRO لا يشبه البروتينات التي تنظم عمليات الأيض لدى الثدييات أو الخمائر أو البكتيريا، لكنه يتحكم في الجينات نفسها التي تشارك في التعامل مع بعض المشكلات الأيضية.
ويرى الباحثون أن هذه النتيجة تمثل مثالا على التطور التقاربي، وهي ظاهرة تتوصل فيها كائنات مختلفة، بشكل مستقل، إلى حلول متشابهة لمشكلات بيولوجية مشتركة، ولكن باستخدام آليات مختلفة.
وهذا يعني أن التوكسوبلازما طورت آلية خاصة بها للتعامل مع الظروف التي تواجهها داخل الخلايا، رغم أن الكائنات الأخرى قد تستخدم آليات مختلفة للتعامل مع تحديات مشابهة.
آفاق لعلاج العدوى المزمنة
يقترح مؤلفو الدراسة أن تعطيل المسارات الخلوية التي يتحكم فيها بروتين TgPRO قد يجعل التوكسوبلازما أكثر عرضة لتأثير الأدوية التي تسبب الإجهاد التأكسدي.
وقد يمثل هذا المسار مستقبلا هدفا محتملا لتطوير علاجات تستهدف التوكسوبلازما خلال مرحلة العدوى المزمنة، عندما تختبئ الطفيليات داخل الأنسجة وتشكل أكياسا نسيجية.
لكن الباحثين يؤكدون أن هذه الفكرة ما زالت بحاجة إلى مزيد من الدراسات والتجارب قبل معرفة مدى إمكانية تحويل هذا الاكتشاف إلى علاج فعال للعدوى المزمنة لدى البشر.
ما هي التوكسوبلازما؟
Toxoplasma gondii طفيلي وحيد الخلية يسبب داء المقوسات، ويمكنه إصابة الإنسان وعدد كبير من الحيوانات. ويعد أفراد فصيلة السنوريات، بما في ذلك القطط المنزلية وأقاربها البرية، العائل النهائي للطفيلي، إذ تحدث مرحلة التكاثر الجنسي للتوكسوبلازما داخل أمعاء القطط.
ويشير الاكتشاف الجديد إلى أن بروتين TgPRO يؤدي دورا مهما في مساعدة الطفيلي على تحمل الإجهاد الناتج عن العيش بأعداد كبيرة داخل الخلايا، ولا سيما في أنسجة الدماغ، ما يوفر للباحثين هدفا جديدا يمكن دراسته في إطار البحث عن علاجات للعدوى المزمنة.