أول خريطة مشتركة لدماغ الفئران والمارموسيت تتيح مقارنة مناطق الدماغ والروابط العصبية
دراسات و أبحاث
أول خريطة مشتركة لدماغ الفئران والمارموسيت تتيح مقارنة مناطق الدماغ والروابط العصبية
15 آب 2026 , 16:17 م

نجح فريق من العلماء في الولايات المتحدة لأول مرة في إنشاء خريطة مشتركة بين أنواع مختلفة للدماغ، تتيح مقارنة أدمغة الفئران والمارموسيت ، وهي قرود صغيرة تنتمي إلى الرئيسيات وتعد أقرب تطوريا إلى الإنسان من القوارض.

وقام الباحثون بمطابقة البنى الدماغية الدقيقة يدويا بالاعتماد على أكثر من 100 دراسة منشورة، وتمكنوا من تحديد مناطق متطابقة بشكل مباشر بين النوعين.

وقد تشكل هذه الخريطة أساسا لأبحاث مستقبلية تهدف إلى دراسة الروابط العصبية بصورة أكثر دقة، ومعرفة مدى إمكانية نقل نتائج أبحاث الحيوانات إلى الإنسان.

أول خريطة مشتركة لدماغ الفئران والمارموسيت تمهيدا لفهم الدماغ البشري

خريطة مشتركة للدماغ ( مصدر الصورة: Freepik )

ونشرت الدراسة في مجلة Journal of Comparative Neurology العلمية.

لماذا يصعب الاعتماد على الفئران؟

تجرى نسبة كبيرة من أبحاث علم الأعصاب باستخدام الفئران، لأنها سهلة التربية، وأقل تكلفة، كما أن استخدامها في الأبحاث العلمية أكثر قبولا من الناحية الأخلاقية في كثير من الحالات.

لكن هناك مشكلة أساسية: الفئران ليست بشرا.

فالكثير من الأدوية التي تظهر نتائج قوية وواعدة خلال التجارب على القوارض تفشل لاحقا عند اختبارها في التجارب السريرية على البشر.

ولتقليل هذه الفجوة، يلجأ العلماء إلى دراسة أنواع وسيطة، ومنها المارموسيت، وهي قرود صغيرة تنتمي إلى الرئيسيات وتتميز بكونها أقرب تطوريا إلى الإنسان.

لكن استخدام نوع آخر من الحيوانات يطرح مشكلة جديدة: كيف يمكن مقارنة دماغ الفأر بدماغ المارموسيت، إذا كانت أطالس الدماغ الخاصة بكل نوع تقسم المناطق الدماغية وتصنفها بطرق مختلفة؟

اختلاف أطالس الدماغ

وجد الباحثون من مختبر كولد سبرينغ هاربور في الولايات المتحدة حلا لهذه المشكلة من خلال إنشاء أول خريطة مشتركة تسمح بإجراء مقارنة منهجية بين مناطق دماغ الفأر ودماغ المارموسيت.

وأوضح رئيس الدراسة بارثا ميترا أن هذه المشكلة معقدة للغاية، ولذلك لا يرغب كثير من الباحثين في التعامل معها.

وأشار إلى أن مقارنة الجينومات أكثر سهولة، إذ يمكن إجراء المقارنة حرفا بحرف، بينما تختلف الدوائر العصبية حتى بين أفراد النوع نفسه.

إضافة إلى ذلك، أنشأت مجموعات بحثية مختلفة أطالس متعددة للدماغ، وقسمت الدماغ نفسه إلى مناطق بطريقة مختلفة.

نقطة اتفاق بين الأطالس

لاحظ فريق ميترا أن الخبراء يختلفون كثيرا بشأن كيفية جمع البنى الدماغية الصغيرة في مناطق أكبر.

فعلى سبيل المثال، تجمع بعض أطالس الدماغ عدة مناطق في بنية أكبر تعرف باسم اللوزة الدماغية أو الأميغدالا، بينما لا تتضمن أطالس أخرى هذه البنية كمنطقة موحدة، بل تصنف المناطق التي تتكون منها ضمن قشرة الدماغ.

لكن الباحثين اكتشفوا أمرا مهما، وهو أن الأطالس المختلفة تتفق في معظم الحالات عند التعامل مع أصغر المناطق التي يمكن تحديدها بشكل موثوق ولا يمكن تقسيمها إلى مناطق أصغر، والتي أطلق عليها الباحثون «المناطق الصفائحية».

ولذلك قرر العلماء البدء من هذه المناطق باعتبارها نقطة أكثر ثباتا للمقارنة بين الأنواع المختلفة.

مطابقة أكثر من 100 دراسة

حلل الباحثون أكثر من 100 دراسة منشورة، ثم قاموا يدويا بمطابقة أصغر المناطق الدماغية التي يمكن تحديدها بصورة موثوقة.

وأظهرت النتائج إمكانية العثور على تطابق مباشر بين نحو 43% من مناطق دماغ الفأر ونحو 47% من مناطق دماغ المارموسيت.

كما اكتشف الباحثون أن قشرة الدماغ لدى المارموسيت مقسمة إلى عدد أكبر بكثير من المناطق المتخصصة مقارنة بالفئران.

وهذا الاختلاف مهم عند محاولة استخدام أبحاث القوارض لفهم الوظائف الدماغية لدى الرئيسيات والإنسان.

تشبيه بالمدن والولايات

شرح ميترا الفكرة من خلال تشبيه المناطق الدماغية بالولايات والمدن.

فقد تتغير حدود الولايات أو طريقة تقسيمها، لكن الناس يتفقون عادة على وجود المدن الأساسية ومواقعها.

وبالمثل، قد تختلف أطالس الدماغ في طريقة تجميع المناطق الصغيرة ضمن بنى أكبر، لكن يمكن أن يكون هناك اتفاق أكبر حول المناطق الدماغية الأصغر والأكثر وضوحا.

وبناء على ذلك، استخدم الباحثون هذه المناطق الصغيرة كنقاط مرجعية لإنشاء خريطة تسمح بإجراء المقارنة بين دماغ الفأر ودماغ المارموسيت.

خطوة نحو دراسة الروابط العصبية

لا تمثل الخريطة الجديدة إجابة نهائية عن أوجه التشابه والاختلاف بين أدمغة الأنواع المختلفة، لكنها توفر نقطة مرجعية مشتركة يمكن للباحثين والمختبرات الأخرى استخدامها في الدراسات المستقبلية.

ويخطط العلماء لمواصلة العمل على هذه الخريطة، إذ أصبح بإمكانهم الآن إجراء مقارنات أكثر منهجية بين الروابط العصبية الموجودة في المناطق الدماغية المتطابقة لدى الفئران والمارموسيت.

وقال ميترا إن إنشاء الخريطة يمثل خطوة وسيطة مهمة، لأنها تتيح للباحثين طرح سؤال أكثر تعقيدا حول كيفية اتصال المناطق المختلفة في الدماغ ببعضها، ثم مقارنة هذه الروابط بين الأنواع.

وقد يساعد هذا النهج مستقبلا على فهم أفضل للدوائر العصبية، وتقييم مدى قابلية نتائج أبحاث الفئران للتطبيق على الرئيسيات، بما فيها الإنسان.

المصدر: مجلة Journal of Comparative Neurology