«من غضب الجيش والشعب إلى مناصبة الغاصب العداء؛ إيران تدفع الغدر عن أراضيها ولبنان يرد الأذى عن شعبه، دفاع قانوني، وصمود مشهود، وتضحيات جسام تفاخر بها أمتنا العربية والإسلامية.»
لم أكتب لأن الورق يستجدي الحبر، ولا لأن السياسة تستدرج ريشتي بضجيجها؛ أنقش نصوصي ومقالاتي حين تصبح الوقائع أمانة، والصمت سؤالا، والخبر العابر قضية تستحق أن تفهم قبل أن تحكم. فالكتابة عندي لم ولن تكون ترفا لغويا، أو زخرف قول، بل محاولات دائمة لرد الحدث إلى أسبابه، ووزن نتائجه، ووضع الإنسان في قلب المعادلة.
ولا أريد نصا جافا يحول المدن إلى أرقام، والضحايا إلى إحصاءات، والتاريخ إلى نشرة باردة.
لذلك أجمع في لغتي بين السياسة والفلسفة والأدب؛ أستعير من قانون الشطرنج منطق الحركة والمآل، في كل نص ومقال، ومن علم الرياضيات دقة الحساب، ومن قانون الفيزياء الأثر، وكذلك من روعة الكيمياء معنى التفاعل، ومن الأدب قدرة الكلمة على إحياء ما يكاد الخبر أن يدفنه. فالبلاغة عندي ليست حجابا للحقيقة، بل عدسة تكشف طبقاتها.
حين تستهدف أرض دولة ومدنها وبلداتها وقراها وسكانها ورضعها وركعها ورتعها، لا يكون الأمر مجرد مواجهة عسكرية، بل امتحانا للسيادة وقدرة المجتمع على الصمود وإعادة ترتيب ميزان القوة. ومن هنا تقرأ المواقف الإيرانية في مواجهة العدوان الظالم الذي طال أراضيها ومواقفها المحقة الثابتة ومدنييها؛ إذ تحولت الصدمة إلى اختبار للتماسك، للتلاحم بين جميع أبناء الوطن الواحد، وإلى مواجهة أعادت طرح سؤال الردع والسيادة وحسابات الاقتدار.
وإذا قلت «بمختلف المناصب» فليس المقصود كراسي السلطة ومواقع الوظيفة فحسب، وإنما مختلف المنابر والأدوار: من صاحب القرار إلى حامل القلم إلى المواطن في بيته ومهنته؛ ومن الجندي ممتشق السلاح المرابط في ساحات الوغى لمواجهة من طغى وبغى: أي مجتمعا تتعدد وظائفه، لكن تتقاطع مصالحه حين تمس الأصابع الطاغوتية الإبستينية أرضه وكرامته وأمنه وأمانه.
وفي بلد الجمال، لبنان الشقيق سياق آخر تتقاطع معه قاعدة الدفاع: أرض عرفت الاحتلال، وشعب عظيم ذاق أثمان الحروب والكروب، نتج عن كل ذلك مقاومة وطنية لبنانية قانونية عادلة لم تكن معتدية منذ أن أضاءت جذوتها سماء لبنان. هذا البلد المتحضر الغالي على قلوب أشقائه.
ومن المنظور الذي يتبناه هذا المقال، ترد المقاومة الجنوبية عن جميع أبناء الوطن الأذى والأسى والشظى واللظى، وقدمت تضحيات جسام في سبيل ذلك على مدى سنين طويلة ولا تزال تقدم من خيرة أبنائها. ومع ذلك يبقى معيارا ثابتا: حماية المدنيين واحترام القانون الإنساني دون استثناء ملتزمة لشرعية وأحقية الدفاع والزود عن التراب الوطني.
ومن هنا تكمن المعادلة الأعمق: القوة ليست سلاحا متطورا وحده؛ إنها إرادة وعزيمة عظيمة وقدرة وصبر ووعي، وبنفس الوقت عين ترقب العدو وتحركاته والأصابع على الأزرار. فالعدو لا يؤمن له جانب على الإطلاق.
قد تهدم قذيفة أو قنبلة جدارا أو سقفا، لكنها لا تهدم بالضرورة ذاكرة وطن؛ وقد تربك الضربة حسابا، لكنها لا تملك وحدها نقش سيرة المستقبل.
وهنا يعود عنواني لهذا المقال إلى معناه: جيش وشعب غاضب بمختلف المناصب على المعتدي الغاصب؛ غضب ليس انفعالا أعمى، بل رفض للعدوان وتمسك بالسيادة وحق الدفاع ودرء الأذى.
ومن غضب الجيش والشعب إلى مناصبة المعتدي العداء، تتماهى وتلتقي التجربتان اللبنانية والإيرانية في الصمود والتصدي والتضحية، وإن اختلفت ساحاتهما وحساباتهما. فالبلاغة لا تصنع الحقيقة، وإنما تمنحها لسانا؛ والقلم لا يملك التاريخ، لكنه يستطيع أن يشهد له. وفي النهاية تبقى قيمة الموقف فيما يحفظ للإنسان أرضه وكرامته، وفيما يتركه من أثر أن ولم تمحه عاصفة الدعاية. وليعلم أهل الغطرسة والإستكبار أن للتاريخ ذاكرة لا تأخذها سنة ولا نوم، وللعنترية والعنجهية ساعة لا تدوم؛ فقد تسكت المدافع والقذائف والصواريخ وأزيز الرصاص والشظايا المتطايرة صوت الحقيقة حينا، لكنها لا تستطيع دفنها إلى الأبد. فالثرى يحفظ آثار الخطى، والثريا تحفظ دخان الجريمة، والزمن وحده يملك قلم الحكم، ولكل من ظن أن فائض البأس يمحو أثر الفعل، فقد نسي أو تناسى أن للتاريخ حسابا لا تخدعه المرايا. وهل يطفأ نور الفجر إذا طال الليل؟ وهل تمحو الغبار ما نقشه الزمن؟ وهل يستر الليل ما كشفه النهار؟ وهل تؤود الحقيقة إلى الأبد، والتاريخ شاهد لا ينام؟
فما بين صخب البأس وصمت الذاكرة، يبقى الزمن أصدق الشهود؛ يسقط الأقنعة عن وجوهها السافرة، ويكشف الحقائق الدامغة، ويترك لكل فعل صاحبه.
كاتب دمشقي حر.